آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 1:17 م

شهر رجب الحرام: كيف نغتنمه في حياتنا وأسرتنا؟

مقدّمة: الدلالة

قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ [التوبة: 36].

الآية لا تكتفي ببيان عدد الأشهر الحُرُم، بل تربط حرمتها مباشرةً بترك الظلم، مما يؤكّد أن تعظيم الزمن مرتبط بتقويم السلوك.

ذكر العلامة الطباطبائي في الميزان: " لما كانت هذه الأربعة حرما تفرع على حرمتها عند الله أن تكفوا فيها عن ظلم أنفسكم رعاية لحرمتها وعظم منزلتها عند الله سبحانه.

‏فالنهي عن الظلم فيها يدل على عظم الحرمة وتأكدها لتفرعها على حرمتها أولا ولأنها نهي خاص بعد النهي العام كما يفيده قولنا: لا تظلم أبدا ولا تظلم في زمان كذا.

‏و الجملة أعني قوله: «فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ‌» وإن كانت بحسب إطلاق لفظها نهيا عن كل ظلم ومعصية لكن السياق يدل على كون المقصود الأهم منها النهي عن القتال في الأشهر الحرم." [1] 

وفي التبيان لشيخ الطائفة الطوسي: ”و قوله‏ «فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ» نهي منه تعالى لخلقه عن أن يظلموا أنفسهم لأن من فعل قبيحاً يستحق عليه العقاب، فقد ظلم نفسه بذلك بإدخال الضرر عليها.“ [2] 

يحتلّ شهر رجب منزلةً خاصّة في التقويم الإسلامي؛ فهو أحد الأشهر الحُرُم التي عظّمها الله تعالى، وجعل لها حرمةً مضاعفة وأثرًا أعمق في السلوك والوجدان.

وهذه الحرمة ليست توصيفًا تاريخيًا أو حكمًا فقهيًا مجرّدًا، بل فرصة تربوية وروحية متجدّدة، يمكن للإنسان أن يحوّلها إلى نقطة تحوّل حقيقية في حياته الفردية والأسرية.

إنّ رجب يذكّرنا بأنّ الزمن ليس إطارًا محايدًا، بل وعاء للمعنى، ومجالًا لاختبار الوعي والالتزام.

تعظيم شهر رجب - بوصفه زمنًا مُعظَّمًا - ليس ممارسة شكلية، بل انعكاس لحالة التقوى الداخلية ووعي الإنسان بحدود الله.

أولًا: الأشهر الحُرُم… معنى الحرمة ودلالتها

الأشهر الحُرُم هي أزمنة جعل الله لها حرمةً خاصة، بحيث:

• يُضاعف فيها أثر الأعمال

• ويُشدّد فيها على ترك الظلم والاعتداء

• ويُستدعى فيها الوعي الأخلاقي أكثر من غيرها

وكون شهر رجب واحدًا منها يعني أنّه زمن للتوقّف والمراجعة، لا زمن اندفاع أو غفلك؛ فالحرمة هنا ليست قيدًا خارجيًا يُفرض على السلوك، بل تنبيه داخلي إلى قيمة الزمن حين يُنسب إلى الله، وحين يتحوّل الوقت إلى أمانة لا إلى عادة.

ثانيًا: رجب… فرصة لضبط السلوك لا مجرّد زيادة العبادة

الاستفادة الحقيقية من رجب لا تقتصر على الإكثار من العبادات، بل تبدأ من إصلاح السلوك اليومي، مثل:

• كفّ اللسان عن الأذى

• ضبط الغضب والانفعال

• اجتناب الظلم ولو في أبسط صوره

• مراجعة العلاقات المتوترة داخل الأسرة والمجتمع

فالامتناع عن الخطأ في زمنٍ مُعظَّم هو تربية عملية على الرقابة الذاتية، وتدريب للنفس على احترام القيم حتى في التفاصيل الصغيرة.

ثالثًا: تعظيم الزمان بوصفه تعظيمًا للمعنى

حين يُعظّم الإنسان شهر رجب، فهو في الحقيقة يُعظّم القيم التي يمثّلها هذا الشهر، وأبرزها: السِّلم، الطهارة الظاهرة والباطنة، والرجوع إلى الله بوعي لا بعجلة.

وهذا التعظيم يُنمّي لدى الإنسان حسّ احترام الحدود، ويُرسّخ فكرة أنّ بعض الأزمنة ليست كسائر الأزمنة، كما أنّ بعض القيم غير قابلة للمساومة مهما تغيّرت الظروف.

رابعًا: رجب… زمن الإصلاح الهادئ

ارتبطت الأشهر الحُرُم تاريخيًا بترك القتال والاعتداء، ومن هنا يمثّل رجب زمنًا للإصلاح لا للصراع:

• إصلاح النفس قبل محاسبة الآخرين

• إصلاح العلاقات الأسرية بهدوء

• إصلاح العادات التي استنزفت الروح دون أن نشعر

إنه شهر مناسب للمصالحة، وطيّ الخلافات، وبداية صفحة جديدة تقوم على الوعي لا على ردّات الفعل.

خامسًا: مضاعفة الأثر… لا كثرة العمل

من أهم معاني الأشهر الحُرُم أنّ أثر العمل فيها أعمق، لا بالضرورة أكثر عددًا؛ فكلمة صادقة، أو كفّ أذى، أو توبة حقيقية في رجب، قد تكون أثقل وزنًا من أعمال كثيرة في غيره.

وهذا المعنى يعلّمنا أن نركّز على جودة العمل لا كثرته، وصدق النيّة لا المظاهر، وعمق الأثر لا سرعة الإنجاز.

سادسًا: رجب محطة إعداد لما بعده

يمثّل شهر رجب مرحلة إعداد روحي ونفسي قبل شعبان ورمضان؛ فيه نخفّف ثِقل الذنوب، ونهيّئ القلب للانفتاح، ونتدرّب على الاستمرار لا الاندفاع المؤقّت.

فمن أحسن الوقوف عند رجب، دخل المواسم اللاحقة بقلبٍ أخفّ، ونفسٍ أهدأ، واستعدادٍ أعمق.

سابعًا: تطبيقات عملية في الحياة اليومية

يمكن ترجمة حرمة رجب إلى خطوات بسيطة لكن مؤثّرة، مثل:

1. التقليل من الخصومة والجدال قدر الإمكان

2. تخصيص وقت يومي قصير للمراجعة أو الاستغفار

3. إصلاح العلاقات المتشنجة

4. ترك العادات السلبية

5. تعظيم الوقت وعدم تبديده فيما لا ينفع

فهذه الممارسات تُحوّل المعنى من فكرة ذهنية إلى سلوك يومي ملموس.

خاتمة:

إنّ كون شهر رجب من الأشهر الحُرُم ليس معلومة فقهية فحسب، بل دعوة مفتوحة لإعادة ترتيب الحياة.

هو شهر يذكّرنا بأنّ الزمن ليس حياديًا دائمًا، وأنّ بعض اللحظات خُلقت لتكون مفاصل في مسار الإنسان.

فمن أحسن الوقوف عند حرمة رجب، تعلّم كيف يحترم نفسه، ويضبط سلوكه، ويتهيّأ للارتقاء الروحي، لا في هذا الشهر وحده، بل في حياته كلّها.

[1]  الميزان في تفسير القرآن للعلامة الطباطبائي - تفسير الآية 36 - سورة التوبة

[2]  التبيان في تفسير القرآن لشيخ الطائفة الطوسي - تفسير الآية 36 - سورة التوبة
استشاري طب أطفال وحساسية