آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 1:17 م

ولادة الإمام عليّ في الكعبة واستشهاده في جامع الكوفة: قراءة فلسفية عرفانية

تختصر سيرة الإمام علي بن أبي طالب تاريخًا كاملًا للمعنى الإنساني في خطٍّ وجودي واحد، يبدأ من ذروة التوحيد وينتهي في محراب الفداء. إنّها ليست مصادفة زمنية ولا مفارقة سردية، بل بنية رمزية عميقة يمكن قراءتها بوصفها «نصًّا وجوديًّا» مكتمل الأركان: ابتداء، ومسار، وخاتمة، وكلّها مشدودة إلى محور واحد هو الله.

أولًا: الكعبة بوصفها «مبدأ الوجود»

في الرؤية الفلسفية، لا يُنظر إلى المكان بوصفه حيّزًا مادّيًا فحسب، بل بوصفه حاملًا للمعنى. والكعبة — في الوعي الديني والعرفاني — ليست بناءً، بل «مركز الدلالة»، نقطة التقاء السماء بالأرض، ورمز وحدة الاتجاه.

في القراءة العرفانية، الكعبة «قلب العالم»، ومن يولد فيها يولد من قلب المعنى، كأنّ وجوده شاهدٌ على أنّ الولاية امتدادٌ للتوحيد، وأنّ العدل فرعُه العملي.

أن يولد عليّ في هذا الموضع يعني أنّ وجوده لم ينشأ من أطراف العالم، بل من قلبه. كأنّ التاريخ يعلن منذ اللحظة الأولى أنّ هذا الإنسان ليس ابن الصدفة الاجتماعية، بل مظهر الإرادة الإلهية في أنقى صورها.

عرفانيًّا، الكعبة تمثّل التوحيد الصامت، والولادة فيها تشير إلى أنّ الولاية تبدأ قبل البيان، وأنّ الحقيقة تسبق العبارة.

ثانيًا: الولادة في الكعبة بوصفها إعلانًا عن «الإنسان الكامل»

في الفلسفة الإسلامية، ولا سيّما في القراءة العرفانية، يُطرح مفهوم الإنسان الكامل بوصفه الكائن الذي تتجلّى فيه الأسماء الإلهية على قدر الطاقة البشرية. ولادة عليّ في الكعبة لا تُفهم كفضيلة تاريخية فقط، بل كإشارة رمزية إلى أنّ هذا الوجود مهيّأ ليكون مرآة للعدل والحكمة والعلم والشجاعة.

فهو لم يولد ليكون زاهدًا منقطعًا، ولا حاكمًا متسلّطًا، بل جامعًا بين الأضداد: زهد بلا انسحاب، وسلطة بلا استبداد، وعلم بلا غرور، وشجاعة بلا طغيان؛ وهذا الجمع لا يصدر إلا عمّن كان مبدؤه التوحيد الخالص.

ثالثًا: المسار بين الكعبة والكوفة — امتحان المعنى في التاريخ

الفلسفة لا تقف عند البداية ولا عند النهاية، بل عند المسار؛ لأنّ القيمة تُختبر في الزمن، لا في اللحظة.

وبين الكعبة والمحراب، عاش عليّ تجربة التاريخ بكل تناقضاته؛ فصمتَ حين كان الصمتُ حقًّا، وتكلّم حين صار الكلامُ واجبًا، وكان سيفًا حين لم يُحمَ العدلُ إلا به، وكان دمعةً في محراب الليل، حين يخلو بنفسه.

هنا تتجلّى المفارقة الكبرى: عليّ الذي خرج من أقدس مكان، عاش في أكثر الميادين قسوة، ولم يسمح للتاريخ أن يلوّث جوهره.

عرفانيًّا، هذه المرحلة تمثّل نزول المعنى من المطلق إلى النسبي؛ أي تحويل القيم الإلهية إلى ممارسات بشرية دون أن تفقد نقاءها.

رابعًا: جامع الكوفة — قداسة الجماعة لا قداسة العزلة

إذا كانت الكعبة رمز التوحيد، فإنّ جامع الكوفة رمز الأمّة. هو مكان اجتماع الناس، واختلافهم، وصلاتهم، ونزاعاتهم. اختيار القدر أن يكون الاستشهاد هناك، لا في صحراء ولا في عزلة، يعبّر عن أنّ الرسالة لا تُختتم خارج المجتمع، بل في قلبه.

المحراب — في اللغة — من «الحرب»، أي موضع المجاهدة. وفي الرؤية العرفانية، هو ميدان الصراع الأخير بين النور والظلمة، بين الصفاء والغدر.

أن يُضرب عليّ وهو في الصلاة، فذلك يعني أنّ أقصى درجات القرب من الله لا تعني السلامة من أذى الناس، وأنّ طريق الحقّ كلّما ازداد صفاءً، ازداد ابتلاءً.

خامسًا: الاستشهاد في الصلاة — انتصار الوعي على الجسد

فلسفيًّا، الموت نوعان: موت المعنى، وموت الجسد.

عليّ قُتل جسدًا، لكنّه انتصر معنىً؛ لأنّ موته لم يكن انكسارًا، بل اكتمالًا. لم يُقتل وهو هارب، ولا وهو متردّد، بل وهو قائم بين يدي الله، في لحظة اتّحاد الفعل بالنيّة، والظاهر بالباطن.

عرفانيًّا، هذه اللحظة تمثّل الرجوع إلى الأصل؛ بدأ من التوحيد، وعاش للعدل، وخُتم بالتوحيد، وهكذا تكتمل الدائرة الوجودية دون انقطاع.

سادسًا: القوس الوجودي ومعناه الفلسفي

حين نقول: «من الكعبة إلى المحراب، نقرأ قوسًا وجوديًّا متكاملًا» فنحن لا نصف انتقالًا مكانيًّا أو تاريخيًّا، بل نرسم خريطةً فلسفية لمسار الوجود الإنساني حين يبلغ تمامه. القوس هنا هو صورة للحياة حين تكون ذات معنى: ابتداءً، وسيرورةً، وانتهاءً، وكلّ مرحلة تحمل وظيفة وجودية محدّدة.

1» المبدأ: توحيد بلا كلام

حين يُقال إنّ البداية هي توحيد بلا كلام، فالمقصود أنّ الأصل في الإيمان ليس الخطاب ولا البرهنة، بل حالة داخلية تسبق التعبير. فقبل أن يُقال التوحيد، يجب أن يُعاش؛ وقبل أن يُشرح، يجب أن يستقرّ في عمق الوعي.

التوحيد هنا لا يُفهم بوصفه فكرة ذهنية أو شعارًا يُرفع، بل بوصفه مركزًا داخليًا للإنسان، تنتظم حوله نظرته إلى نفسه، وإلى العالم، وإلى الآخرين. هو وعيٌ يجعل الإنسان يرى الوجود من زاوية واحدة متماسكة، لا تتنازعها الأهواء ولا تشوّشها المصالح المتغيّرة.

ومن هذا المنظور، ترى الفلسفة أنّ المعنى الحقيقي لا يُنتج بالكلام وحده، لأنّ الكلام قد يُقال دون التزام، وقد يُتقن دون تحقّق. أمّا المعنى الأصيل فينبع من الانسجام بين الداخل والخارج؛ حين تكون الكلمة امتدادًا لحالة، لا قناعًا لها. ولهذا لا تكون الكلمة صادقة إلا إذا سبقتها تجربة وجودية تمنحها وزنها وشرعيتها.

بهذا الفهم، يصبح التوحيد في المبدأ هويةً وجودية قبل أن يكون إعلانًا فكريًا، وصدقًا مع النفس قبل أن يكون خطابًا موجّهًا للآخرين. إنّه الأساس الصامت الذي تُبنى عليه المواقف، وتُقاس به الأفعال، وتستمدّ منه الكلمات معناها، لا العكس.

2» الطريق: عدل في صخب التاريخ

المسار هو الامتحان الحقيقي للقيمة. العدل هنا ليس مبدأً نظريًّا، بل ممارسة في عالمٍ مليء بالتناقضات، حيث تتصادم المصالح، وتعلو الأصوات، ويُختبر الإنسان بين المساومة والثبات.

فلسفيًّا، الطريق يمثّل نزول القيم من المطلق إلى النسبي: كيف يحافظ الإنسان على نقاء المبدأ وهو غارق في تعقيدات الواقع؟ كيف يكون عادلًا دون أن يتحوّل إلى قاسٍ، وحازمًا دون أن يفقد الرحمة؟

العدل في صخب التاريخ يعني أن يكون الإنسان حاضرًا في المعترك، لا شاهدًا من بعيد، وأن يدفع ثمن القيم التي يؤمن بها.

3» الغاية: فناء في الله لا فناء عن الله

الغاية ليست انسحابًا من العالم، بل تحرّرًا من الأنا.

الفناء هنا لا يعني محو الذات، بل اكتمالها؛ أي أن تتخلّص من وهم الاستقلال، وتدرك أنّ معناها الحقيقي في اتصالها بالمطلق.

الفلسفة العرفانية تميّز بين فناءٍ عن الله «أي ضياع المعنى»، وفناءٍ في الله «أي بلوغ الغاية». الأول هروب، والثاني حضور أتمّ.

بهذا المعنى، النهاية ليست نهاية الفعل، بل ذروته: حيث تتطابق النيّة مع العمل، ويصبح الوجود ذاته عبادة.

4» الإنسان الرسالي: ما الذي يميّزه؟

هذا القوس لا يصف فردًا استثنائيًّا فحسب، بل يقدّم نموذجًا فلسفيًّا للإنسان الرسالي:

• لا يكتفي بصلاحه الفردي، لأنّ الحقيقة لا تُحتكر في الداخل.

• ولا يذوب في الجماعة، لأنّ القيم لا تُقاس بالكثرة.

• بل يحمل الحقيقة بوصفها أمانة، ويقبل أن يدفع ثمنها، عزلةً أو صراعًا أو تضحية.

الإنسان الرسالي هو من يحوّل حياته إلى جسر بين المبدأ والغاية، بين السماء والتاريخ، دون أن يفقد ذاته أو يخون قضيته.

وخلاصة القول أن القوس الوجودي يعلّمنا أنّ الحياة ذات المعنى لا تُقاس بنقطة البداية ولا بلحظة النهاية، بل بسلامة المسار.

من يبدأ من التوحيد، ويسير بالعدل، ويختم بالفناء في الحقّ، لا يخسر وإن خسر كلّ شيء؛ لأنّه حقّق الغاية الأعمق للوجود: أن يكون الإنسان صادقًا مع الحقيقة، مهما كان الثمن

خاتمة: ما الذي تقوله لنا هذه السيرة اليوم؟

هذه القراءة ليست استدعاءً عاطفيًا للماضي، ولا وقوفًا عند أمجاد منتهية، بل محاكمة هادئة للحاضر، وسؤالٌ موجَّه إلى الإنسان المعاصر في عمق قلقه وتردّده:

هل ما زال ممكنًا أن يبدأ الإنسان من القيم دون أن يحوّلها إلى شعارات؟ وهل يستطيع أن يسير في عالمٍ مضطرب، متشظّي المصالح، دون أن يفقد مركزه الداخلي أو يبدّد بوصلته الأخلاقية؟

سيرة عليّ لا تقدّم أجوبة جاهزة، بل تضع معيارًا. فهي تقول إنّ البداية الصحيحة ليست في كثرة الادّعاء، بل في صفاء المنطلق؛ في أن يبدأ الإنسان من التوحيد بوصفه مركزًا للمعنى، لا مجرد عقيدة موروثة. التوحيد هنا ليس قولًا، بل رؤية للعالم، وانضباطًا داخليًا، وميزانًا تُوزن به الأشياء حين تختلط المعايير.

ثمّ يأتي الطريق، وهو الأصعب دائمًا. فالطريق ليس خطًّا مستقيمًا، بل ميدان اختبار دائم: ضغوط، ومساومات، وخيارات رمادية، ومواقف تُغري بالحلّ الأسهل. هنا تتجلّى رسالة عليّ بوصفها درسًا في الثبات؛ في الحضور المسؤول داخل التاريخ، لا في الهروب منه. أن تكون عادلًا حين يكون العدل مكلفًا، وصادقًا حين يكون الصدق ثقيلاً، وشجاعًا حين لا تكون الشجاعة محلّ تصفيق.

ولادة عليّ في الكعبة تقول للإنسان المعاصر: اضبط منطلقك؛ لا تجعل قيمك وليدة المزاج العام ولا رهينة الظرف.

واستشهاده في محراب الكوفة يقول له: لا تتراجع في النهاية؛ فالقيمة التي لا تُصان عند الثمن الأعلى ليست قيمة، بل مصلحة مؤجّلة.

وبين البداية والنهاية، تتشكّل فلسفة حياة كاملة:

حياة لا تنفصل فيها العبادة عن العدل، ولا الروح عن المسؤولية، ولا الإيمان عن التاريخ. حياة يكون فيها الإنسان حاضرًا بين يدي الله من جهة، ومنخرطًا في هموم العالم من جهة أخرى، دون أن يذوب في أحدهما أو يهرب من الآخر.

وهكذا، لا تتحوّل سيرة عليّ إلى ذكرى تُروى، بل إلى مرآة يُنظر فيها: مرآة تكشف لنا مقدار ما بقي فينا من شجاعة القيم، ومن صدق الانتماء للحقّ، ومن الاستعداد لأن نكون — ولو قليلًا — أوفياء لما نؤمن به، لا لما يريحنا.

استشاري طب أطفال وحساسية