آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 12:04 م

طول العمر وطيب الحياة

ياسين آل خليل

ليس التقدّم في العمر وعدًا بشباب لا يذبل، ولا حكمًا بانطفاء لا مفرّ منه. بل هو مساحة عميقة بين الاثنين، مساحة يتكشّف فيها معدن الإنسان، مساحة نتعلم فيها أن القوة ليست في صلابة الجسد، بل في ليونة الروح وثبات المشاعر وقدرتها على حفظ المعنى مهما تبدّلت ظروف الحياة. اعتدنا أن نقرأ أعمارنا من تقويم أو من تقرير طبي، لكن هذين القياسين يظلان عاجزين عن الإجابة على السؤال الحقيقي.. كم سنة عشناها ونحن أحياء من الداخل؟

هناك عمر لا يُقاس بالأيام، بل بالمعنى الذي نكتسبه. إنه العمر الذي نتخفّف فيه من ثقل أحكام الآخرين، فتستقيم خطواتنا أكثر، وتصفو دواخلنا. عمرٌ تصبح فيه خبراتنا مرآة لحلول أبسط، تتراجع فيه الانفعالات السريعة، وتظهر روحانية هي أكثر هدوءًا، حتى إن الضحكة تأتي بسهولة أكبر، وكأن النفس أخيرًا وجدت مكانها.

ومع مرور سنين العمر، تتغيّر المعايير. لم نعد نبحث عن إنجازات كبيرة بقدر ما نبحث عن انسجام مع أنفسنا. ولأن هذا الانسجام لا يأتي صدفة، يصبح من الضروري تدريب النفس يوميًا، تدريبًا صغيرًا لكنه حقيقي، يبدأ بسؤال بسيط.. كيف أشعر جسديًا..؟ عقليًا..؟ عاطفيًا..؟ وما الذي يُشعل الفرح بداخلي..؟

هذه الأسئلة تفتح الباب لتعديلات صغيرة لكنها فعّالة.. مشي قصير، عادة نوم أفضل، رسالة نصية تُعيد وصلاً، كلمة لطف، خروج من المنزل، أو تجربة شيء جديد يكسر الجمود. نعم، كل تعديل بسيط يُثمر، لأن العمر الحقيقي يُبنى من هذه التفاصيل الصغيرة التي تجدد الروح أكثر مما تجدد الجسد. وعند هذه النقطة يتغيّر سؤالنا من.. كم سنعيش..؟ إلى.. كيف نعيش حياة طيبة ذات معنى..!

ومع مرور الزمن، ندرك دون إعلان أن العمر لا يكتمل بالنضج وحده، بل بالتصالح. نقاوم الحياة طويلًا، نريدها على مقاس توقعاتنا، حتى ننهك. ثم نلين فجأة، وندعها تمضي كما تشاء، فنحاول فهمها بدل مقاومتها. عندها يسقط عنّا حملٌ قديم، وتتلاشى معارك صغيرة استنزفت أعمارنا. نتصالح مع الماضي، ونسامح أنفسنا، ونكتشف أن النمو الحقيقي ليس في الزيادة، بل في التخفّف مما أثقل الروح. وهنا فقط يصبح العمر رفيقًا حكيمًا لا نخشى سيره.

وعند هذا الحدّ، نفهم أننا نسعى لاطالة أعمارنا لا خوفًا من نهايتها، بل رغبةً في أن نكمل ما بدأناه في الداخل.. علاقة أكثر صدقًا مع أنفسنا، وارتباطًا أعمق بمن نحب، وأثرًا صغيرًا يحمل بصمتنا، نتركه خلفنا.

في النهاية، يتضح أن العمر الذي يستحق أن يُحتسب ليس ما يطول من الزمن، بل ما يضيء فينا، وليس ما يُضاف إلى حياتنا، بل ما تضيفه الحياة إلينا.