علاقة الصبر بتطوير الذات
كنت أفكر أن الإنسان الذي يتغير لا تلزمه بداية عام جديد، فالتغير لا ينتظر رقمًا في التقويم. ولكن، لِمَ لا؟ لنتفاءل. منذ وقت طويل أنهكني شعور بأنني أُستنزَف. ليس من تعب نفسي أو جسدي، ولكن من كثرة ما يغريني وجود فرص تعليمية في المجالات التي أحبها. الكون الافتراضي مليء بها، ولا يتطلب الأمر سوى أن تختار.
قبل ما يقارب عامًا ونصف، قُبِلت في مبادرة تدريبية تعليمية تابعة لوزارة الثقافة، ضمن منصة عالمية تحتوي كمًّا هائلًا من الدورات التدريبية التي أهتم بها. وبجانب هذه الدورات، قرأت ما يقارب سبعين كتابًا، بين الشعر والرواية والروحانيات، وذلك بجانب مواقع أخرى على الإنترنت توفر العديد من الدورات بسهولة، وبشكل مجانيٍّ.
لكن، مع كل هذه المعرفة، شعرت بالتعب. وكأن كمية المعلومات المُخزَّنة يجب أن تُصرَف، أن أُطبّقها في حياتي، ثم أخرجها إلى العالم، لعل أحدهم هنا أو هناك يستفيد. إلى جانب ذلك، تعبت من الكثرة، ومن الركض في هذا الإيقاع السريع الذي أصبح يهيمن على الوقت والمعلومات والزيارات.
كنت أعتقد أني الوحيدة التي فكرت بهذه الكيفية، لكنني صادفت الكثير من الأشخاص في عالم التواصل الذين اختاروا هذا العام: البطء. ليس لأنهم عاجزون، ولا لأنهم تراجعوا، بل لأنهم شعروا - كما شعرت - أن التراكم وحده لا يكفي.
يقول ميلان كونديرا في رواية «البطء»:
ثمة رابطٌ خفيٌّ بين البطء والذاكرة، وبين السرعة والنسيان. رجل يسير في الشارع، وفي لحظة ما، يحاول استرجاع شيء ما، لكن الذكرى تفلت منه، فيبطئ من سرعته تلقائيًا. في المقابل، يبدأ شخص يريد نسيان حادثة مؤلمة مر بها للتو، دون وعي، في تسريع خطواته، كما لو كان يحاول الابتعاد عن شيء ما زال حاضرًا بقوة في ذاكرته. في الرياضيات الوجودية، تتخذ هذه التجربة شكل معادلتين أساسيتين: درجة البطء تتناسب طرديًا مع قوة الذاكرة، ودرجة السرعة تتناسب طرديًا مع قوة النسيان.
وهنا استحضرت معنًى عميقًا في القرآن، حين قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: الآية 106]. صحيح، أنا أعرف نفسي. لن أستطيع وأنا أرى موائد المعارف ممتدة أمامي، لكن لا بأس إن كانت خطة هذا العام أن أُبطئ قليلًا، أن أفهم أكثر، أن أُسْلِم.
على الأقل، في الربع الأول من العام، أجرّب هذه الاستراتيجية. لا بأس أن نبطئ. أن نُسلِم.
لم تفز السلحفاة على الأرنب إلا بحكمتها.
















