آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 1:17 م

من عبق الماضي: صيد الطيور في القطيف ”تراث شعبي“

حسن محمد آل ناصر *

يعد صيد الطيور في القطيف أحد الهوايات والأنشطة التراثية الشعبية التي عرفتها منذ القدم، حيث ارتبطت هذه الهواية بالبيئة المحلية والمواسم الطبيعية ومعارف الصيادين التقليدية التي تناقلتها الأجيال، وامتازت هذه الممارسة بأساليب وتقنيات خاصة، أبرزها استخدام الفخاخ ”الحبال“ بهدف صيد الطيور المهاجرة والملحية والتسلية بالمهارة والمعرفة التي اكتسبها الصيادون منذ زمن بعيد.

علما اذكر وأنا صغير أذهب برفقة بعض رفقاء جيلي ”صبية الجيران“، والأغلب المزارع والنخيل لأنها قريبة من أحياء القديح، وأيضًا نذهب للبر الذي يقع غربها، وهذا نادر جدًا، فصيد الطيور في القطيف عادة في موسمين رئيسيين؛ الأول يبدأ في الربيع تقريبًا من منتصف فبراير وينتهي مع نهاية أبريل، وهو موسم مرتبط بهجرة الطيور المهاجرة القادمة من مناطق بعيدة، والثاني يُعرَف بموسم ”سهيل“ ويبدأ من منتصف أغسطس وينتهي في نهاية أكتوبر، حيث تتجمع طيور سهيل في المنطقة قبل مواصلة هجرتها.

تتميز القطيف بوجود طيور محلية لها أسماء شعبية خاصة يعرفها الصيادون والمهتمون في الماضي، وهي تختلف عن الأسماء العلمية، وكما أسعفتني الذاكرة فإنها تشمل: المدقي، والحمامي، والفقاقة ”الفگاگ“، والمدكي، والكحافي، والخياطي، والبلجاني، والحسيني، والدمياني، والكفاصي، والشرياص الشيرازي، والبحراني، والسمن، والعكعك، ولا ننسى العنكوش ويستخدم كطعم أو رئيسية في الصيد، والزندة هي أنثى العنكوش.

أما طرق الصيد التقليدية، فمنها الحبال، وهي الطريقة الأبرز لصيد الطيور، وتعتمد على وضع الفخاخ بطريقة مدروسة وفق سلوك الطيور، التي تُعرَف بسلوكيات محدودة أثناء الوقوف والطيران، وهناك أنواع متعددة للفخاخ مثل المواسيات التي توضع على الأرض لتتناسب مع حركة الطيور، ومرافعات الطارة التي ترتفع قليلًا من الأمام، ومرافعات الحنية التي ترفع من الخلف.

وتنقسم طرق وضع الحبال إلى نوعين رئيسيين: المراميات، أي وضع وجهًا لوجه مع الطير إذا كان آمنًا، والمشاوفات، وضع علامة أو ”شوف“ على شجرة أو نخلة يعرف الطائر الوقوف عليها، ثم وضع الفخ أسفلها لجذب الطائر، ومن المهم عند استخدام الحبال مراعاة اتجاه الريح، حيث تقف الطيور دائمًا باتجاه الريح، ويجب وضع الفخ بنفس اتجاه سيرها لضمان نجاح الصيد، وإلا فإن الطائر قد يطير دون أن يصاد.

لم يكن صيد الطيور مجرد نشاط اقتصادي، بل كان وسيلة للترفيه والتسلية والتنافس بين الصيادين، وجمعهم معًا لتبادل الخبرات والمعارف حول سلوك الطيور وأنواعها وطرق الحبال والفخاخ، وكما أن الصيادين كانوا يختارون الطيور وفق أصنافها وسلوكها، فالشرياص والعكعك يعدان من أصعب الطيور، بينما الفقاقة والمدكية والحمامي كانت أكثر شيوعًا وسهولة في الصيد، وكان لكل طائر طقوسه الخاصة عند الاصطياد، فالشرياص يُعرَف بحجمه الكبير، والعكعك بصعوبة ضبطه، والعنكوش أو الزندة تستخدم كطعام رئيسي للطيور الصغيرة غالبًا، وكانت أحيانًا الطيور تجمع جميعها في الطُّبَّة الكبيرة، والتي تشمل الدمياني والكفاصي والحمامي والسمن والغراب، لتسهيل صيدها، وكما أن الحمامي يضاف مع بداية الموسم ويختلف عن غيره في التربية والترويض.

فصيد الطيور في القطيف لم يكن مجرد نشاط فردي، بل كان مناسبة اجتماعية تجمع الأهل والأصدقاء، وخاصة في الأمسيات والمواسم التي تتسم بهجرة الطيور، وكان الصيادون يستمتعون بمشاهدة الطيور وتعلم مهارات الصبر والانتباه والملاحظة الدقيقة لسلوك الطيور، وتقدير الوقت والمكان المناسبين للصيد، وقد شكلت هذه الهواية مساحة للتواصل الاجتماعي وتعليم الأجيال الصغيرة تقاليد الصيد والصبر والمهارة اليدوية والتخطيط المسبق.

إن صيد الطيور في القطيف يعد جزءًا من التراث الشعبي وشيئًا من عبق الماضي، يعكس العلاقة الحميمة بين الإنسان والطبيعة، ويبرز مهارات الصيادين التقليدية في استخدام الحبال والفخاخ، ومعرفة أصناف الطيور المحلية والهاجرة وفهم سلوكها خلال مواسم الهجرة المختلفة، أجل إن هذه الهواية لم تكن مجرد وسيلة للترفيه أو الغذاء، بل كانت تجربة تربوية وثقافية توارثتها الأجيال، وتركزت على مهارات الصبر والانتباه والاحتراف في الصيد وفق أساليب متقنة، لتظل من ذاكرة المجتمع القطيفي القديم.