المجهر الفكري

عندما أتأمل المجهر وكيف يُكبِّر الأجسام الدقيقة التي تعجز العين المجرّدة عن رؤيتها، مُتيحًا لنا دراسة تفاصيلها الخفية، أتمنى لو يُبتكر مجهرٌ آخر لا يقتصر على كشف أسرار المادة، بل يتغلغل في أعماق الروايات الواردة عن أهل البيت
، ليستخرج دقائق المعاني ويفكّ ألغازها المستترة.
فعلى سبيل المثال، حين نقرأ الروايات التي تؤكد دخول المساجد بالقدم اليمنى والخروج باليسرى [1] ، وعكس ذلك في بيت الخلاء - كرّم الله القارئ - هل نتعامل مع الأمر بوصفه استحبابًا شكليًا؟ أم أن ”المجهر الفكري“ يكشف لنا لفتة دقيقة تشير إلى أن إدراك الإنسان لهذه اللحظة البسيطة، لحظة تقديم قدم أو تأخير أخرى، ليس فعلًا عابرًا، بل انعكاسٌ لقدرة الإنسان على التحكم في خياراته، وترسيخ وعيه تجاه حياته بأكملها؟ فمن يضبط خطواته، يضبط مساره.
ورد عن الإمام الصادق
«التجارة تزيد في العقل» [2] فهل نفهم هذا القول على أنه وعد ببركة غيبية فحسب، أم أن وراءه بعدًا أعمق؟
التجارة ليست بيعًا وشراءً فقط، بل ممارسة تتطلب ذكاءً اجتماعيًا وتفاعلًا مستمرًا مع الناس، مما يوسّع المدارك ويثري المهارات الإدراكية، فالعقل، كأي مهارة، ينمو بالخبرة، والتاجر يواجه تحديات متنوعة، ويتعلم الموازنة بين الربح والخسارة، ويكتسب قدرة تحليلية تُسهم في تطور عقله ونضجه.
ورد عن الإمام الباقر
«ما من عبدٍ يمسح يده على رأس يتيمٍ ترحمًا له إلا أعطاه الله عز وجل لكل شعرة نورًا يوم القيامة [3] .»
فهل المقصود مجرد لمس هذه الشعيرات؟ أم أن جوهر الرواية يكمن في التفاعل النفسي والروحي؟
الفعل الإنساني لا يُقاس بمظهره المادي، بل بأثره الوجداني، فعندما يقدم المرء معروفًا - كهدية بسيطة ليتيم - ويرى أثرها في ابتسامته، يتحقق المعنى العميق للرواية؛ إذ يترك العمل الإنساني بصمته في النفوس، ويُحدث تفاعلًا داخليًا بين العطاء والاستجابة.
ورؤية استباقية
ورد عنه
«لا تجلسوا على مائدة يُشرب عليها الخمر، فإن العبد لا يدري متى يؤخذ» [4]
هل هو نهي فقهي ظاهري؟ أم أن ”المجهر الفكري“ يكشف وجهًا آخر؟
المسألة ليست مجرد تجنب الجلوس، بل تحذير من كسر الحاجز النفسي الذي يحمي الإنسان من الانزلاق التدريجي نحو المحظور، فالنهي هنا ضربة استباقية لترسيخ الوعي وتحري الدقة في اختيار البيئة المحيطة بالإنسان، وهذا يتصل بفكرة التحكم في الذات: من يتحكم في خطواته، يتحكم في حياته.
ورد عن النبي ﷺ «من قتل عصفورا عبثا جاء يوم القيامة يعج إلى الله يقول يا رب ان هذا قتلني عبثا لم ينتفع بي ولم يدعنى فآكل من حشاوة الأرض» [5]
قد يبدو ظاهر الحديث تأكيدًا على رفض العبث والظلم، لكن ”المجهر الفكري“ يكشف من خلال عبارة ”لم ينتفع بي ولم يدعني فآكل من حشاوة الأرض“ أن المسألة تتجاوز الظلم إلى الإخلال بدورة بيئية دقيقة، فالعصفور ليس كائنًا منفردًا، بل جزء من شبكة متشابكة، وإزالته قد تُحدث خللًا في التوازن الطبيعي، إنها رؤية مبكرة لوعي بيئي عميق.
قال رسول الله ﷺ «الإيمان بضع وسبعون شعبة... وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» [6]
وهنا يبرز السؤال:
فهل إماطة الأذى عن الطريق تنحصر في رفع مسمار أو قشرة موز، أم أن النص يشير إلى مسؤولية أوسع تتجاوز حدود الفعل المادي؟
و”المجهر الفكري“ يكشف لنا أن إماطة الأذى ليست مجرد فعل مادي، بل تجسيد لروح إنسانية ووطنية في آنٍ واحد فمن جهة، هي خدمة لكل إنسان يمر في الطريق بغض النظر عن هويته وانتمائه؛ ومن جهة أخرى، هي مساهمة في الصالح العام دون انتظار مقابل مادي أو اجتماعي، إنها ممارسة تعكس المسؤولية الفردية تجاه المجتمع، وتجسد جوهر الأخلاق الإسلامية.
قال الإمام علي
«الألفاظ قوالب المعاني»
فكما يشكل القالب المادة، تشكل الألفاظ المعاني وتحدد كيفية انتقالها.
وهنا يبرز سؤالان:
• هل يمكن أن يكون القالب اللغوي أضيق من المعنى المراد؟
• وهل تكون الرواية أوسع معنى مما تسمح به حدود اللغة؟
كلمات أهل البيت
في الأدعية تكشف جوهر عقولهم، أما الروايات فقد تُصاغ أحيانًا وفق مستوى إدراك السامعين، وهنا يأتي دور ”المجهر الفكري“ ليكشف ما لا تدركه العين السطحية، إذ لم يصلنا المشهد بكل ما فيه من مشاعر وأجواء لحظة النطق.
وختامًا أقول.. يبقى ”المجهر الفكري“ نافذة لاستكشاف أعماق الروايات، يكشف المعاني المخفية بين ظاهر الألفاظ وباطن المقاصد، وبين النصوص والمشاعر التي رافقتها، وكما تكشف عدسة المجهر تفاصيل أدق كلما ازدادت سماكتها، كذلك يكشف عمق الفكر مزيدًا من المعاني كلما ازدادت بصيرة الإنسان نفاذًا.
















