آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 1:17 م

لسنا كُسالى كما يُروّج

لم تكن تُهمة ”الكسل“ في يومٍ من الأيام توصيفًا دقيقًا لحال الأفراد أو الجماعات، بقدر ما كانت تفسيرًا سهلًا لمشكلة معقّدة، فالكسل لا يُعد صفة فطرية ولا عيبًا أخلاقيًا، ولا مرضًا نفسيًا قائمًا بذاته، ولا حتى ثقافة جماعية تتوارث النفور من العمل أو كراهية الإنجاز، بل هو في جوهره سلوك فردي عارض قد يطرأ على الإنسان في ظروفٍ محدّدة أو نتيجة تفاعل مركّب لعوامل نفسية وتنظيمية ضاغطة، وغالبًا ما يكون مرتبطًا بانخفاض الدافعية أو ضعف تنظيم الذات.

فالإنسان لا ينعزل عن العمل أو السعي أو الحركة لأنه لا يريد العمل، بل لأنه لم يعد يرى في عمله قيمة حقيقية ولا أثرًا ملموسًا، ولا عدالة تُنصف جهده، وحين يغيب هذا الإحساس يتحوّل الاجتهاد من فعل إيجابي إلى عبء نفسي، ولهذا يُساء تفسير الانسحاب الصامت عن العمل على أنه ”كسل“ أو ”تقاعس“، بينما هو في حقيقته ردّ فعل إنساني مفهوم على واقع محبط.

وإن شيوع تهمة ”الكسل“ وإلصاقها بأفراد أو مجموعاتٍ أو حتى بمجتمع بأكمله ما هو إلا تبرير وقصور إداري عن مُعالجة مشكلات أعمق تتعلق بسوء التخطيط، ورداءة البيئة التنظيمية، وضعف أنظمة التحفيز والتقدير.

وقد أكدت دراسات علم الإدارة، والسلوك التنظيمي، على أن مستوى الإنتاجية أو النشاط الفردي أو الجماعي يرتفع تلقائيًا متى ما توفّرت بيئة عمل عادلة، وأهداف واضحة، ونظام تحفيز قائم على التقدير والمساءلة، لا على الاتهام والتعميم.

صحيح أن الناس يتباينون في فهمهم للنجاح وطريقة السعي إليه، فثمّة من يراه ثمرة طبيعية للصبر وبذل الجهد، وثمّة من يريده قفزة سريعة بأي ثمن، وقد لخّص الإمام علي هذه الحقيقة بقوله: ”قدر الرجال على قدر هممهم“، غير أن هذا الاختلاف لا يمكن اعتباره دليلًا على أن ”الكسل“ سمة ملازمة لثقافة معينة أو هوية وطنية أو طبعًا لفئة.

نظريتا إكس وواي «X وY»

فالعامل أو الموظف، مواطنًا كان أم وافدًا، لا يُولد كسلانًا، لكنه قد يُصبح محبطًا أو مهمّشًا أو محاصرًا، أو مستنزفًا داخل منظومة أو بيئة لا تُنصت لصوته، ولا تعترف بجهده، ولا تُحسن استثمار طاقاته، وهنا يظهر الفرق بين عقلية إدارية ترى الإنسان مصدرًا للمشكلة، وأخرى تراه جزءًا من الحل.

وهذا ما تؤكده نظرية Y في الإدارة، التي ترى أن الأفراد قادرون على تحمّل المسؤولية ولديهم الدافع الذاتي للعمل حين تتوفر لهم الظروف المناسبة، خلاف نظرية X الإدارية التي تفترض أن الإنسان بطبيعته كسول ويحتاج إلى الرقابة، وهي في تقديري نظرية لا تصف الإنسان بقدر ما تعكس عقلية إدارية تقوم على الشك والخوف، وتتجلى هذه النظرية غالبًا في المؤسسات التي تعتمد على الرقابة الصارمة، والتركيز على الانضباط الشكلي أكثر من الجودة في الأداء.

ومن هنا لم يعد من المجدي الاكتفاء بنفي تهمة ”الكسل“ أو إعادة تعريفه نظريًا، بل بات من الضروري التوقّف عند الكيفية التي يُصنع بها هذا السلوك، وكيف يُعاد إنتاجه وتكريسه داخل الأفراد والمؤسسات، وهو ما يفتح الباب أمام جملة من الأسئلة الجوهرية للنقاش، ولعل من أبرزها:

لماذا يفقد الأفراد دافعيتهم داخل المؤسسات رغم امتلاكهم القدرة والطموح، وهل المشكلة تكمن في الفرد أم في المنظمات التي تُطالب بالإنتاجية، وببذل الجهد دون تقدير أو تحفيز؟

وإذا لم يكن الكسل صفة ولا مرضًا ولا ثقافة… فكيف يمكن إعادة بناء الدافعية الفردية والجماعية بدل الاستمرار في تبادل الاتهام وإلقاء اللوم؟

وقبل الانتقال إلى الإجابة عن الأسئلة المطروحة، يلزمنا التوقف عند مفهوم الدافعية، ليس بوصفه تعريفًا نظريًا، بل باعتباره المفتاح الأهم لفهم ما يُوصَف خطأً ”بالكسل“ داخل الأفراد والمؤسسات.

ما المقصود بالدافعية؟

الدافعية هي القوة النفسية، الداخلية أو الخارجية، التي تُحرّك السلوك الإنساني، وتدفع الفرد إلى البدء بالفعل، ثم الاستمرار فيه، وهي ما يجعل الإنسان يُقاوم الفتور، ويتجاوز الإحباط أو الفشل أو تكرار الخيبات، وحينما تتآكل هذه الدافعية بسبب غياب التقدير أو الشعور بالظلم، أو بعدم الإنصاف أو الاعتراف بالجهود المبذولة، يُساء تفسير هذا الانسحاب على أنه ”كسل“، بينما هو في حقيقته أثر مباشر لبيئة لا تُنصت، ولا تُنصف، ولا تُقدّر.

كما أن للدافعية وجهين: وجه داخلي يولد من القناعة، ومن الإحساس بالقيمة، ومن الشعور بالإنصاف والانتماء، ووجه خارجي، تصنعه المكافأة أو الثناء أو الخوف من العقاب، غير أن الاقتصار على الوجه الخارجي، أو تحويله إلى أداة ضغط، قد ينجح في فرض الالتزام، لكنه يعجز عن صناعة الحماسة، ويُنتج طاعة مؤقتة لا إنجازًا مستدامًا.

الفرق بين الحاجة والدافعية

الحاجة فطرية، تنشأ تلقائيًا ولا تحتاج إلى وعي أو قرار، كالحاجة إلى الطعام أو الأمان أو التقدير أو… أما الدافعية فهي اختيار داخلي، ووعي مكتسب يتكوّن ويُصاغ عبر التجربة والإدراك، فتقود إلى السعي والاستمرار، فمثلًا قد تُبقي الحاجة الموظف ملتزمًا بالعمل، لكنها لا تصنع منه شريكًا في النجاح، والدافعية وحدها هي التي تحوّل الوظيفة من أداء روتيني إلى عطاء مؤثر.

ولعل من أبرز الأسباب التي تجعل الأفراد يفقدون دافعيتهم رغم امتلاكهم القدرة والطموح:

أولًا - غياب العدالة والشعور بعدم الإنصاف، وذلك حين يتساوى المجتهد والمقصّر في النتيجة أو يُكافأ الحضور بدل الإنجاز، لا لأن الإنسان يبحث عن المكافأة بحد ذاتها، بل لأنه يبحث عن المعنى الأخلاقي لجهده.

وقد أظهرت دراسات آدامز في نظرية العدالة أن الأفراد يُقارنون بين ما يبذلونه من جهد وما يحصلون عليه من مقابل، إذ لا يمكن للدافعية أن تستمر حين تُلغى قيمة الإحسان والتميّز، وهذا ما قاله أمير المؤمنين عندما قال: ”قيمةُ كلّ امرئٍ ما يُحسنُه“.

ثانيًا - غياب المعنى ووضوح الهدف، فالإنسان لا يرهقه العمل بقدر ما يرهقه غياب الهدف الواضح الذي لا يُفهم غايته، ولا يُرى أثره، وقد بيّنت دراسات علم النفس التنظيمي، وعلى رأسها أبحاث فيكتور فرانكل في كتابه الإنسان يبحث عن معنى، أن غياب المعنى يؤدي إلى ما سمّاه ”الفراغ الوجودي“، وهو حالة لا تُنتج كسلًا بقدر ما تُنتج لا مبالاة واستنزافًا داخليًا.

وفي السياق المؤسسي، تُشير دراسة لجامعة هارفارد إلى أن الموظفين الذين يفهمون كيف يُساهم عملهم في هدف أكبر تزيد إنتاجيتهم بنسبة ملحوظة مقارنة بأولئك الذين يؤدون مهامًا مجزأة بلا سياق أو رؤية، ولهذا قيل: ”من لا يعرف لماذا يعمل لن يصمد طويلًا مهما كان قادرًا“، وقال الإمام علي : ”من استهان بالعمل ابتُلي بالبطالة“، حيث يتحول الأداء إلى عادة بلا شغف وبلا إحساس.

ثالثًا - الاستنزاف النفسي والضغط المستمر دون دعم أو اعتراف، فكثرة المطالب، وتراكم الإحباطات، تخلق حالة من الانسحاب الداخلي، يبدو ظاهرها كسلًا، بينما حقيقتها إنهاك نفسي وفقدان طاقة، وهو ما يُعرف اليوم بـ ”الاحتراق الوظيفي“، وقد عرّفته منظمة الصحة العالمية بأنه حالة ناتجة عن إجهاد مزمن في مكان العمل لم تتم إدارته بنجاح، وهو لا يظهر على شكل رفض صريح للعمل، بل على هيئة فتور تدريجي، وفقدان للحماس، وهي مظاهر يُساء تفسيرها إداريًا على أنها كسل، بينما حقيقتها إنهاك نفسي عميق، وفي هذا المعنى يقول الإمام علي : ”إن هذه القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكم“.

من الشكوى والكسل إلى السعي والتطور

غالبًا ما يُختصر التذمّر والكسل في تفسير سهل: ”الناس لا تريد أن تعمل“، لكنه في الواقع تفسير ناقص، فالكسل في كثير من الحالات ليس صفة ثابتة كما أسلفنا، بل سلوك يظهر عندما يفقد الإنسان الإحساس بأن جهده سيصنع فرقًا، وعندها تصبح الشكوى بديلًا عن الفعل، أو بديلًا عن المواجهة، أو وسيلة لتفريغ الإحباط بدل تحويله إلى طاقة تغيير.

فالإنسان لا يتوقف عن السعي فجأة، بل يتوقف بعد سلسلة من المحاولات غير المثمرة، فيتعلّم بوعي أو بدون وعي أن المحاولة لا تستحق الكلفة، وهذا ما يصفه علم النفس بـ ”العجز المتعلّم“، وهو حالة نفسية يتعلّم فيها الإنسان من خلال التجربة المتكررة أن جهده لا يغير النتيجة، فيتوقف عن المحاولة حتى عندما تُتاح له فرصة حقيقية للتغيير. فعلى سبيل المثال، تخيّل معي موظفًا في بداية عمله كان يقترح أفكارًا لتحسين الأداء، ويبادر ويتحرك ويتفاعل، وفي كل مرة لا يُرد عليه، أو تُقابل أفكاره بالاستخفاف، أو تُؤجّل دون أي نتيجة، فيبدأ تدريجيًا بتقليص مبادرته، ثم يتوقف عن الاقتراح، ثم يكتفي بأداء الحد الأدنى المطلوب، لا لأنه غير قادر، بل لأنه تعلّم بالتجربة أن صوته لا يُسمع، وأن جهده الإضافي لا قيمة له داخل هذه المنظومة، وهنا أيضًا يُساء فهم التوقف على أنه ”كسل“، بينما هو في جوهره انسحاب نفسي من واقع غير مجدٍ.

كيف نعيد إشعال الدافعية بدل تبادل اللوم

حين يتراجع الأداء عند الأفراد أو داخل المؤسسات، يكون أول تفسير جاهز له هو ”الكسل“، لكن الدراسات السلوكية توضّح أن الإنسان يحتاج إلى ثلاثة شروط ليستمر في العطاء: إحساس بالإنصاف، ووضوح في الهدف، وشعور بأن لفعله أثرًا، وأن غياب أي واحد من هذه الشروط لا يؤدي فورًا إلى التوقف، بل إلى التآكل التدريجي في الدافعية، ومع الوقت يصبح الحد الأدنى من الأداء خيارًا عقلانيًا، لا أخلاقيًا، يختاره الفرد لحماية طاقته النفسية.

في المقابل، لا يمكن إعفاء الفرد تمامًا من المسؤولية، حيث يستقر الإنسان في منطقة الشكوى، ويتخلى عن أي محاولة جادّة للتغيير، خاصة عندما تتحوّل الاعتراضات المتكررة إلى بديل عن الفعل، غير أن هذا السلوك غالبًا ما يكون نتيجة تجارب طويلة من الإحباط وخيبة الأمل.

ومن هنا فإن الحل الواقعي لإعادة إشعال الدافعية يكمن في إعادة تصميم العلاقة بين الإنسان والعمل، وبين الفرد والمجتمع، وليس في استمرار تبادل الاتهام، ولا في شيطنة الإنسان، ولا في وصمه ”بالكسل“، لأن الكسل لا يُعالج باللوم أو التشكيك، والدليل على ذلك أن المؤسسات التي انتقلت من عقلية الرقابة إلى عقلية التمكين، ومن الشك إلى الثقة المنضبطة، لم تُنتج موظفين أكثر التزامًا فحسب، بل حققت نتائج ونجاحات قابلة للقياس.

إذ تُشير دراسات لمعهد Gallup إلى أن بيئات العمل ذات المشاركة العالية تسجّل ارتفاعًا في الإنتاجية بنسبة تصل إلى 21%، وانخفاضًا في معدلات الغياب والاستنزاف الوظيفي بما يُقارب 40% مقارنة بالمؤسسات التي تقوم على الرقابة الصارمة والضغط المستمر، وهو ما يؤكد أن الدافعية لا تُستخرج بالأوامر، بل تُبنى بالثقة والعدالة والمعنى.

ختامًا

لسنا كسالى كما يُروّج، لكننا أحيانًا نُدار كأفراد ومؤسسات بأساليب وطرق تُضعف فينا الرغبة، والحماس، والفاعلية، ثم نُلام ونُحاسب على نتائج هذا الإطفاء، وإن ما يُسمى كسلًا ليس في جوهره سوى انعكاس لغياب العدالة، وضبابية الهدف، وانقطاع الصلة بين الجهد وأثره، وهي اختلالات تنظيمية ونفسية قبل أن تكون عيوبًا فردية.