كيف نعلّم أبناءنا حبَّ الإمام منذ الصغر؟
في تلك الليلة، كان المجلس يغمره نور الحديث عن إمامة الإمام الجواد
، والخطيب ينساب بكلماته الواثقة مستشهدًا بالآيات والروايات والبراهين العقلية، كمن ينقش حقائق الإمامة في القلوب نقشًا.
كان الحاضرون يتابعون بتركيزٍ نسبيّ، إلا أن بصري انجذب إلى زاويةٍ في المجلس… مجموعة من الأطفال تتحرك أنفاسهم ببطء، تتثاقل جفونهم، وكأن عقولهم الصغيرة تبحث عن نافذة يفهمون منها ما يقال… ولا يجدون.
مرّت الدقائق ثقيلة… أربعون دقيقة امتلأت بالمعاني العميقة للكبار، لكنها كانت حملاً على قلوب الصغار. رأيت الملل يزحف على ملامحهم الصافية، بينما تستمر الكلمات في التحليق فوق رؤوسهم دون أن تلامس طفولتهم.
انتهى المجلس بقراءة مولد الإمام الجواد
، وخرج الناس متأثرين…
وفي الخارج، التقيت بأحد آباء أولئك الصغار، فسألته بلطفٍ وابتسامة:
لعل صغيرك لم يفهم الكثير مما قيل الليلة، أليس كذلك؟
ابتسم الأب ابتسامة اعتراف وقال:
صحيح… لم يفهم شيئًا.
فقلت له:
وما الحل برأيك؟
تنهد وقال:
عندما يكبر… سيتعلم.
توقفت قليلًا، ثم نظرت إليه بعينٍ تحمل رجاءً أكثر من العتاب، وقلت:
وهل سنظل ننتظر حتى يكبر؟ حتى تمرّ سنوات دون أن يذوق لذة المعرفة؟
رفع رأسه متسائلًا:
وماذا نفعل إذن؟
ابتسمت وقلت بثقة:
الحل بين أيدينا… علينا أن نُربّي الوعي قبل أن يكبر الجسد، وأن نفتح لأطفالنا أبواب الدين بلغةٍ تناسب أعمارهم وقلوبهم.
مجالس الكبار ليست كافية لهم… نحن بحاجة إلى مجالس صغيرة لقلوب كبيرة، تحكي القصة، وتروي الحكاية، وتستخدم المسابقة والتمثيل ومقاطع الفيديو المشوقة. نُعرّفهم بالإمام لا من بوابة الكلام الجاف، بل من بوابة الدهشة والمحبة والمعرفة.
سكت الأب لحظة… وكأنه رأى الطريق يتضح أمامه لأول مرة، ثم قال وقد تلألأ صوته بالعزم:
كلامك صحيح… وسأبدأ من الليلة.
أجبته وأنا أضع يدي على كتفه:
ليس المهم أن يكبروا… المهم أن يكبر إيمانهم وهم صغار.
ثم قلت
حتى لا تبقى هذه الرغبة مجرّد نية، إليك بعض البرامج التي يمكن أن تحوّل هذا القلق الجميل إلى واقعٍ حيٍّ ينمو فيه الطفل على محبة الإمام، ويرتشف من معين القيم وهو ما يزال غضّ القلب…
مقترحات وبرامج عملية لصناعة وعيٍ طفولي واعٍ
جلسة أسبوعية قصيرة تُروى فيها سيرة أحد الأئمة بلغة قصصية مشوقة، ليكتشف الطفل الإمام من خلال القصة لا من خلال التعريف الجاف.
جملة واحدة كل أسبوع تُكتب بخط جميل ويُشرح معناها للطفل… كلمة صغيرة قد تشعل نورًا كبيرًا.
مجلس حسيني قصير «10-15 دقيقة» يقرأ فيه الأطفال زيارة قصيرة أو دعاء بسيط، ويقدم أحدهم فقرة عن قيمة أخلاقية… مجلس صغير، لكنه يغرس أثرًا عميقًا.
يختار كل طفل قصة مصوّرة عن نبي أو إمام ثم يعرض ما فهمه لرفاقه… فيتعلم القصة ويتعلم كيف يحكيها.
مسابقة مبسّطة في سيرة الإمام، تجعل الطفل يقرأ ويبحث ويدوّن… فيتحول السؤال إلى بوابة معرفة.
برنامج يسجل فيه الطفل فقرة قصيرة عن خلق تعلمه من الإمام… صوت طفولي صغير قد يوقظ قلوبًا كثيرة.
لوحة قيم أسبوعية: الصدق - الترتيب - المساعدة - حفظ الدعاء.
يجمع الطفل نجومًا عند تطبيق القيمة… فيكبر السلوك معه خطوة بخطوة.
ثم قلت للأب، كمن يضع خاتمة الطريق في كفّه:
تذكّر دائمًا…
الطفل لا يحفظ كثيرًا مما نُعلّمه بالكلام،
لكنه لا ينسى ما عاشه بالفعل.
لذلك، فكل برنامج ينبغي أن يجمع بين:
قصة تُحرّك العاطفة،
نشاط يُثبّت الفكرة،
وسلوك يُترجم القيمة.
ابتسم الأب ابتسامة امتنان، ولوّح بيده وهو يمضي، وكأن خطواته الأولى كانت بداية لمجلسٍ جديد…
















