المرأة التي قالت نعم مرتين
في صيف ألفين وثمانية، كنت أستعد لرحلة لم أكن أعلم أنها ستعيد ترتيب علاقتي بالتطوع إلى الأبد. دعوة للمشاركة في بعثة طبية إلى اليمن، مع فريق مركز الأمير سلطان لأمراض وجراحة القلب، لم تكن مجرد مهمة مهنية، بل اختبارًا مبكرًا لمعنى أن يكون الإنسان حاضرًا حين يحتاجه الآخرون.
هناك، وسط وجوه أطفال أنهكهم المرض، تعلّمت أن التطوع لا يُقاس بالمسافة التي نقطعها، بل بالأثر الذي نتركه في القلوب. كان ذلك الصيف أول مرة أدركت فيها أن العطاء ليس فعلًا طارئًا، بل قرارًا داخليًا يتشكل بصمت.
ثم جاء زمن الاختبار الأكبر، حين جاء فيروس كورونا، وتقلّص العالم، وأُغلقت المدن، ورُسمت الحدود بالخوف. شاهدت إعلانًا يطلب متطوعين من الكوادر الطبية. توقفت لحظة، ثم قلت لنفسي بهدوء لا يشبه الخوف: أنا كادر طبي.. وهذا وقت الجد. لم يكن القرار بطولة، بل استجابة طبيعية لما تعلّمت منذ صيف ألفين وثمانية؛ أن المهنة ليست وظيفة، وأن التطوع ليس ترفًا أخلاقيًا، بل مسؤولية تظهر حين يختبر العالم إنسانيتنا.
ليست تلك تجربتين منفصلتين، بل خيط واحد امتد عبر الزمن ليكشف حقيقة واحدة: أن التطوع لا يُولد في لحظة، بل يُصاغ تدريجيًا، ثم يظهر فجأة حين يختبرنا العالم. ما حدث في صيف ألفين وثمانية لم يكن ذكرى إنسانية عابرة، وما فعلته خلال الجائحة لم يكن اندفاعًا عاطفيًا، بل استجابة لهوية داخلية تشكّلت بصمت، هوية ترى في العطاء معنى، وفي الحضور وقت الشدة واجبًا لا خيارًا. ومن هنا، يصبح السؤال الأهم ليس كم تطوّعنا، بل ماذا صنع التطوع داخلنا حتى اختارنا في لحظة الخطر.
ومع اتساع التجربة التطوعية في المملكة، لم يعد السؤال هو كيف نكثّر المبادرات، بل كيف نبني منظومات تقيس الأثر الإنساني وتستثمر الشراكات لضمان الاستدامة. بعض التجارب المؤسسية بدأت تتحرك في هذا الاتجاه، واضعة التطوع ضمن أفق تنموي طويل المدى يتقاطع مع مستهدفات رؤية ثلاثة صفر ثلاثة صفر. وإذا أردنا أن نجعل التطوع أكثر عمقًا واستدامة، فهناك مسارات واضحة: قياس أثر التجربة الإنسانية، رعاية المتطوعين نفسيًا ومهنيًا، وإشراك الأجيال الناشئة منذ البداية عبر التعليم والفنون البصرية.
















