البنية التوحيدية لأعمال شهر رجب: قراءة في تكرار سورتي التوحيد والكافرون
إنّ التكرار اللافت لسورتي ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في صلوات وأعمال شهر رجب - كما ورد في روايات الإقبال، نحو صلاة سلمان، وصلاة كل ليلة من ليالي رجب، وصلاة أول يوم من رجب ووسطه ويوم المبعث وليلته وغيرها - لا يمكن فهمه على أنّه تكرار تعبّدي شكلي أو اختيار عارض للألفاظ القرآنية، بل هو تكرار مقصود في بنيته، عميق في دلالته، ينطوي على أبعاد عقدية وتربوية وسلوكية متكاملة.
إن شهر رجب، في الوعي الروحي الإسلامي، ليس شهر الإكثار العددي من الأعمال فحسب، بل هو شهر التهيئة والتأسيس، حيث يُعاد فيه بناء العلاقة مع الله على قاعدة سليمة قبل الدخول في مواسم القرب الكبرى في شعبان ورمضان. ومن هنا، كان التركيز في أعماله على ما يصحّح الأصل ويضبط الاتجاه، لا على ما يكمّل الفروع فقط.
وتؤدّي هاتان السورتان معًا وظيفة توحيدية دقيقة؛ إذ تجمعان بين البراءة والنفي من جهة، والإثبات والإفراد من جهة أخرى، في انسجام تام مع جوهر الشهادة الإسلامية. فالتوحيد الذي لا تسبقه براءة قد يبقى ملتبسًا، والعبادة التي لا تُبنى على تصفية العقيدة قد تتحوّل إلى عادة أو شكل بلا روح.
وعليه، فإنّ هذا التكرار في صلوات رجب يُمثّل برنامجًا تربويًا عمليًا، يُعاد من خلاله تثبيت هوية العبد الإيمانية، وتصحيح وجهته القلبية، وتدريبه على الوقوف بين يدي الله بعقيدة خالصة وانتماء توحيدي صافٍ. ومن هنا تنبع أهمية دراسة هذا التكرار لا بوصفه ظاهرة نصيّة فحسب، بل باعتباره مفتاحًا لفهم فلسفة أعمال شهر رجب، ودوره التأسيسي في مسار السلوك الروحي.
تُظهر الروايات المأثورة أنّ شهر رجب هو شهر الاستغفار، والتوحيد، والإقبال القلبي، وهو توصيف يكشف عن طبيعته بوصفه مرحلة تأسيسية في مسار السلوك الروحي. فالمطلوب في هذا الشهر ليس الإكثار العددي من الأعمال بقدر ما هو تصحيح الأصل العقدي الذي تُبنى عليه سائر القربات. ومن هنا، فإنّ تكرار سورة التوحيد - وهي خلاصة العقيدة الإسلامية - يحمل دلالة واضحة على ضرورة العودة إلى الجذر، وتنقية الإيمان من الشوائب التي قد تتراكم بفعل العادة أو الغفلة أو التديّن الشكلي.
إنّ تصفية التوحيد في رجب تعني إعادة بناء صورة الله في القلب، لا بوصفه مفهومًا ذهنيًا مجرّدًا، بل بوصفه حقيقة حيّة حاضرة في الوعي والسلوك. ولهذا ورد في الروايات أنّ سورة التوحيد «تعدل ثلث القرآن»، لا من حيث الكمّ، بل من حيث اشتمالها على لبّ المسار العقدي كلّه؛ إذ تختصر التوحيد النظري والعملي في عبارات قليلة، وتعيد توجيه القلب نحو الإفراد الخالص قبل الانتقال إلى مواسم التكثير والعمل المكثّف في شعبان ورمضان.
في المقابل، فإنّ تكرار سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في أعمال شهر رجب لا يُراد به خطاب الآخر الخارجي، بل هو في جوهره خطاب موجَّه إلى النفس، يعلن بوضوح أنّ السير إلى الله لا يحتمل المساومة في العقيدة، ولا يقبل الازدواجية في التوجّه، ولا يستقيم مع عبادةٍ مزدوجة يتقاسم فيها القلب بين الله والدنيا.
فسورة الكافرون تمثّل سورة البراءة القلبية، أي البراءة من كل تعلّق ينافس التوحيد أو يزاحمه، في حين تمثّل سورة التوحيد سورة الإثبات القلبي، أي تثبيت الإفراد الخالص لله تعالى. ومن هنا جاء اقترانهما الدائم في الصلوات، لأنّ التوحيد من دون براءة يبقى ناقصًا، والقرب من دون مفاصلة يظلّ مهدّدًا بالالتباس.
وعليه، فإنّ الجمع بين السورتين في أعمال رجب يُعيد ترتيب الأولويات الروحية؛ إذ يُعلّم السالك أنّ الوصال الحقيقي لا يتحقّق إلا بعد الانفصال عمّا سوى الله، وأنّ صفاء الوجهة شرطٌ سابق على فيض القرب. وبذلك تتحوّل هذه التلاوة المتكرّرة إلى تربية عملية على الإخلاص، لا مجرّد قراءة لفظية لسور محفوظة.
لا يُفهم التكرار الوارد في أعمال شهر رجب على أنّه إكثار عددي مقصود لذاته، بل بوصفه آلية تربوية تهدف إلى ترسيخ المعنى وإنزال العقيدة من حيّز الإدراك الذهني إلى حيّز التجربة القلبية. فالعقائد، بخلاف المعلومات، لا تستقرّ في النفس بمجرد الفهم أو الحفظ، بل تحتاج إلى تكرار وجداني يعيد تشكيل الوعي، ويُحوّل المفهوم إلى حالة شعورية راسخة.
ومن هنا، فإنّ تكرار سورة التوحيد مئات المرّات، وإعادة سورة الكافرون في كل ركعة، ليس تكرارًا لفظيًا آليًا، بل عملية بناء تدريجي للتوحيد بوصفه ملَكة راسخة في النفس. فالتوحيد المقصود في هذه الأعمال ليس فكرة تُستحضر عند الحاجة، بل هو هوية تُعاش، وحضور دائم ينعكس في التوجّه والسلوك والاختيار.
من الناحية البلاغية والعقدية، يُجسّد الجمع بين سورتي الكافرون والتوحيد بناءً توحيديًا متكاملًا، يقوم على مبدأ التوازن بين النفي والإثبات. فسورة الكافرون تؤدّي وظيفة النفي والقطع والبراءة، في حين تنهض سورة التوحيد بوظيفة الإثبات والإفراد والإقرار بالوحدانية، وهما معًا يعكسان البنية العميقة للشهادة الإسلامية «لا إله إلا الله».
ف«لا إله» ليست مجرّد نفيٍ لفظي، بل إعلان تحرّر من كل معبود مزاحم، وكل تعلّق ينافس الإخلاص، وهو ما تعبّر عنه سورة الكافرون بوضوح وحسم. أمّا «إلا الله»، فهي إثبات واعٍ للإفراد الخالص، وتثبيت لمركزية الله في القلب والعمل، وهو ما تتكفّل به سورة التوحيد.
وعلى هذا الأساس، لا تكون هذه الصلوات مجرّد تلاوة لسور بعينها، بل تتحوّل إلى تجسيد عملي للشهادة، حيث يُعاد بناء التوحيد في القلب والفعل معًا، ويتحوّل النفي والإثبات من ألفاظ منطوقة إلى مسار سلوكي وهوية إيمانية حيّة، تؤسّس لقربٍ صادق غير ملتبس، وانتماءٍ توحيدي صافٍ.
لأنّ الصلاة بطبيعتها تمثّل أكمل صور العبادة الجامعة؛ إذ تجمع بين حضور القلب، وحركة الجوارح، وانتظام الهيئة، واتجاه القبلة، والخضوع الجسدي، فيتحوّل التوحيد من مجرّد مفهوم ذهني أو ذكرٍ لفظي إلى فعلٍ معيش وتجربة وجودية. فالإنسان في الصلاة لا يكتفي باستحضار العقيدة، بل يقف بها بين يدي الله، ويجسّدها في قيامه وركوعه وسجوده.
كما أنّ الصلاة تدرّب الإنسان عمليًا على الوقوف بين يدي الله بهويّة توحيدية خالصة، لا يشوبها شرك خفي ولا تعلّق بغيره؛ إذ تُلزمه بلحظة انقطاع كاملة عن العالم الخارجي، وتُعيد توجيه القلب والجسد معًا نحو مركز واحد. ومن هنا، فإنّ التوحيد المتجلّي في الصلاة أعمق أثرًا وأرسخ في النفس من التوحيد في الذكر المجرّد، لأنّه يُمارَس في مقام الخضوع التام والانكسار الكلّي، لا في مقام الاستحضار اللفظي فقط.
وعليه، فإنّ إدراج سورتي التوحيد والكافرون في بنية الصلاة، لا في الذكر المنفصل عنها، يكشف عن قصد تربوي دقيق؛ فالصلاة تجعل من التوحيد سلوكًا متكرّرًا، لا مجرّد فكرة يُتداولها اللسان، وتربط بين العقيدة والانقياد العملي، بحيث يتشرّبها الإنسان في لحظات السكون والحركة على السواء. وبذلك تصبح الصلاة مدرسة يومية لتثبيت التوحيد في القلب والوجدان، لا مجرّد إطار تعبّدي مستقل عن مسار السلوك.
تكشف الوعود العظيمة الواردة في الروايات من مغفرة ورضوان وقصور في الجنة وجوار للأنبياء عن حقيقة تربوية عميقة، وهي أنّ العطاء الإلهي لا يُقاس بضخامة العمل في صورته، بل بصفاء التوجّه وصدق المقصد. فبساطة العمل هنا لا تعني قلّة الأثر، بل تشير إلى أنّ أعظم ما يقرّب العبد إلى الله هو تصحيح العقيدة وتحرير التوحيد من كل شائبة.
ومن هنا يتّضح سبب تقديم التوحيد والبراءة في هذه الأعمال على سائر النوافل، لأنّهما يمثّلان الأساس الذي تُبنى عليه جميع القُرَب، وما لم يُصحَّح الأصل، فإنّ كثرة الفروع لا تُثمر القرب الحقيقي.
إنّ تكرار سورتي التوحيد والكافرون في أعمال شهر رجب ليس مجرّد تكرار تعبّدي، بل هو إعادة تأسيس للتوحيد في الوعي والقلب، وتجديدٌ واعٍ لعهد البراءة، وبناءٌ راسخ للهوية الإيمانية قبل الدخول في شهري شعبان ورمضان. فشهر رجب هو شهر توحيد القلب قبل تليينه، وشهر تصحيح الاتجاه قبل فيض القرب.
ومن هنا، لا تُفهم هذه الصلوات على أنّها مستحبّات زائدة فحسب، بل بوصفها محطّات ضرورية لمن أراد سلوك الطريق إلى الله بسلام، وعلى أساسٍ سليم، يضمن أن يكون ما بعده أعمق أثرًا وأصدق حضورًا.
















