«الرامس» يحتضن «خبز مريم».. إنعاش لذاكرة تاروت وتاريخها
شقَ ”خبز مريم“ من بيوت القطيف طريقه إلى أروقة مشروع ”الرامس“ وسط العوامية، حاملاً معه ذاكرة المكان ونكهة التراث، ومجسدًا إحدى أقدم الحرف الغذائية التي ارتبطت بتاريخ أهالي القطيف وجزيرة تاروت على وجه الخصوص.
ويعود هذا الخبز التراثي، الذي عُرف بأسماء متعددة مثل خبز مريم، وخبز الخمير، والخبز المتين، والخبز الأصفر، إلى مئات بل آلاف السنين، حيث ظل حاضرًا على موائد الأهالي وفي مناسباتهم، رغم التحولات الكبيرة التي طرأت على أنماط الحياة وأساليب الإنتاج الحديثة، ولا تزال رائحته وطعمه محفورين في ذاكرة أبناء المنطقة، باعتباره رمزًا من رموز الزمن الجميل.
يروي الخباز عبد الواحد النمر، المعروف بـ ”أبو باقر“، قصة تعلقه بهذه المهنة منذ طفولته، مؤكدًا أن بداياته تعود إلى ما يقارب 18 إلى 20 عامًا، حين كان يعمل صغيرًا في أفران جزيرة تاروت، التي اشتهرت وحدها بصناعة خبز مريم.
ويشير إلى أن الجزيرة كانت ولا تزال الحاضنة الأبرز لهذا الخبز، حتى أصبح جزءًا من هويتها الثقافية والغذائية.
ويقول ”النمر“ إن تعلقه بالمهنة بدأ في سن مبكرة، عندما كان يعمل مع أحد الخبازين في منطقة المسورة، مشيرًا إلى أن العمل في صناعة الخبز لم يكن مجرد مصدر رزق، بل حرفة متجذرة تحمل قيمة تراثية عالية.
وأضاف أن خبز مريم ظل متداولًا بين الأهالي عبر الأجيال، رغم تقلص عدد من يمارسون صناعته، حتى كاد أن ينقرض.
وأوضح الخباز أبو باقر أن خبز مريم يتميز بمكوناته البسيطة والطبيعية، التي تشمل الخمير، ودقيق البر، والدقيق الأبيض، مع إضافة بسيطة جدًا من السكر، مؤكدًا أن 99 في المئة من مكوناته تعتمد على التمر، دون أي إضافات صناعية.
وأضاف أن هذه الوصفة هي ذاتها التي كانت تُستخدم قديمًا داخل البيوت، حيث كانت النساء والخبازون يعدونه في أفران الطين التقليدية.
وأشار إلى أن سر الطعم المميز يكمن في طريقة الخَبز، إذ يُخبز خبز مريم في تنانير فخارية تقليدية، موضحًا أن الفخار يمنح الخبز نكهة لا يمكن مقارنتها بالأفران الحديثة أو الصاج، لافتًا إلى أن بعض التنانير الحديثة لا تعطي الطعم ذاته الذي يمنحه التنور الفخاري القديم.
ومع مرور الزمن، شهد خبز مريم بعض التحديثات الطفيفة، دون المساس بجوهره ونكهته الأصيلة. ويذكر النمر أنه أضاف الجبن إلى الخبز، وهي إضافة لم تكن معروفة قديمًا، لكنها لاقت استحسان الزبائن، خاصة لما يتميز به الخبز من خفة ولذة في الطعم، ما جعله قريبًا من ذائقة الأجيال الجديدة دون أن يفقد روحه التراثية.
وأكد أن الإقبال الأكبر لا يزال من الجيل القديم، الذين يرون في خبز مريم استعادة لذكريات الطفولة وأيام البيوت القديمة، حيث يقول كثيرون منهم إن طعمه يعيدهم إلى ”أيام الأول“، في ظل اندثار هذه الحرفة وتوقف معظم المخابز عن إنتاجه.
وأشار الخباز إلى أن عدد من يمارسون صناعة خبز مريم تقلص بشكل كبير، حتى لم يتبقَ سوى مخبز واحد تقريبًا في جزيرة تاروت يحافظ على هذه الحرفة، ما يجعلها مهددة بالاندثار في حال غياب الدعم والاهتمام بتوثيقها ونقلها للأجيال القادمة.
ورغم هذا التراجع، لا يزال خبز مريم حاضرًا في بعض المناسبات، ورائحته ونكهته تذكر أهالي القطيف بالزمن الجميل، وتعكس عمق الارتباط بين الغذاء والهوية الثقافية للمنطقة.
ويأمل المهتمون بالتراث أن تحظى هذه الحرفة باهتمام أكبر، باعتبارها جزءًا من الموروث الشعبي الذي يستحق الحفظ والدعم.
















