آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 4:00 م

دفتر الزعل

رضي منصور العسيف *

كنتُ أبحث عن كتابٍ ما في مكتبة والدي…
لم يكن بحثي جادًا بقدر ما كان حنينًا.
المكتبة ذاتها، الرائحة ذاتها، والكتب التي شاخت معنا بصمت.
بين الرفوف، لمحتُ دفاتر قديمة، أوراقها مائلة إلى الصفرة، كأن الزمن ترك توقيعه عليها.
سحبتُ أحدها… ثم آخر…
فوجدت مقالات قصيرة كتبها والدي أيام دراسته الجامعية.
ابتسمتُ وأنا أقرأ بعض العناوين، وقلت في نفسي:
أبي لم يتغير… لا يزال يكتب الفكرة ذاتها، لكن بلغة كل مرحلة.
وأنا أقلّب الدفاتر، توقّفت يدي عند واحدٍ منها.
كان الغلاف بسيطًا، لكن العنوان مكتوب بخطٍ ثابت:
دفتر الزعل
ترددتُ لحظة.
قلتُ بيني وبين نفسي:
— أيّ عنوانٍ هذا؟ ولماذا يبدو جادًا إلى هذا الحد؟
فتحته.
في الصفحة الأولى تاريخ قديم… قبل أربعٍ وعشرين سنة.
لكن الصفحات لم تتجاوز اثنتين فقط.
جلستُ… وبدأت أقرأ.
يقول أبي في دفتره
قررتُ أن أكتب عن الزعل الذي يحدث بين الزوجين، لا تنظيرًا، بل تجربة.
سأكتب ما حدث بيني وبين زوجتي، ثم أعود لأستخرج منه دروسًا لعلّها تنفعني قبل أن تنفع غيري.
وهذه أول حادثة أدوّنها…
كنتُ متزوجًا منذ قرابة السنتين.
الأيام الأولى كانت جميلة، خفيفة، مغموسة بالودّ والضحك.
ثم حدثت مشكلة… صغيرة جدًا،
لكنها كبرت لأن صوتي علا،
ولأن الصمت كان أقسى من الرد.
صرختُ: لماذا؟ وكيف؟
وهي… التزمت الصمت.
خرجتُ من البيت مثقلاً بالزعل.
بقيتُ لحظاتٍ في الخارج،
وحمدتُ الله أنني لم أقد السيارة،
فالغضب — إن قاد — لا يُحسن الوصول.
عدتُ… كانت قد نامت.
وعنادي دفعني أن أنام في الصالة.
في الصباح، قالت بهدوء:
— هل ستوصلني للمدرسة أم أطلب من أخي؟
قلتُ بتأفف:
— سأوصلك.
ذهبتُ إلى عملي بلا ابتسامة.
لم أتحدث مع أحد.
كان يومًا ثقيلًا، بلا طعم.
عدتُ للبيت.
الغداء جاهز.
قلتُ:
— لا أشتهي… سآكل لاحقًا.
بقيتُ جائعًا حتى المساء.
أكلتُ طعامًا باردًا،
غداءً وعشاءً في وقتٍ واحد،
بلا شهية… وبلا راحة.
دخلتُ غرفة النوم.
وقفتُ أمام المرآة.
هذا أنت…
ما الذي تغيّر؟
لماذا كل هذا الإصرار على الزعل؟
أحقًّا يستحق الأمر هذا الهجر ورفع الصوت؟
ربما… أنت المخطئ.
فكّرتُ طويلًا.
وقلتُ لنفسي:
كان يومًا تعيسًا، سرق مني الراحة والابتسامة… فهل أستمر؟ إلى متى؟
خرجتُ من الغرفة.
وجدتُ زوجتي تُحضّر دروس الغد.
نظرتُ إليها…
وطالت النظرة.
قلتُ بهدوء:
— هل أساعدك؟
رفعت رأسها وابتسمت، وقالت:
— كما تعلم، لا أعرف كيف أُعدّ جدولًا… منذ نصف ساعة وأنا أحاول ولم أنجح.
ضحكتُ.
وقلتُ:
— ولماذا لم تطلبي المساعدة؟
قالت بثقةٍ دافئة:
— كنتُ أعرف أنك ستأتي.
وانتهى كل شيء…
كما ينتهي الزعل حين يتقدّم العقل خطوةً على العناد.
هذه كانت أول تجربة أكتبها في دفتر الزعل.
وقد قررتُ بيني وبين نفسي:
إن زعلتُ مرةً أخرى، سأراجع نفسي قبل أن أؤذي من أحب.
أغلقتُ الدفتر.
قلّبتُ الصفحات… لا شيء بعدها.
قلتُ في دهشة:
— صفحتان فقط؟
هل يعقل ألا يكون هناك زعلٌ آخر؟
حملتُ الدفتر وذهبتُ إلى أبي.
قلتُ:
— هل تذكر هذا الدفتر يا أبي؟
ابتسم، وقال:
— نعم… أذكره. كيف وجدته؟
قلتُ:
— في المكتبة، لكنه توقف عند صفحتين فقط.
قال بهدوء من تعلّم الدرس مبكرًا:
— لأنني تعلّمتُ يا ابنتي أن الحياة الزوجية تقوم على أربعة تاءات:
تعاون
تفاهم
تغافل
تكامل
نظر إلى أمي مبتسمًا، وقال:
— أليس كذلك يا عزيزتي؟
ابتسمت أمي وقالت ببساطةٍ تشبهها:
— ولماذا الزعل؟
الحياة الزوجية… تناغم وتفاهم.

تذكروا أيها الأحبة
ليس الزعل هو ما يُتعب البيوت،
بل الإصرار عليه.
فالبيوت لا تنهار بسبب اختلافٍ عابر،
وإنما تتصدّع حين يتقدّم العناد خطوةً على الرحمة،
وحين ننسى أن من نخاصمه
هو ذاته من نلوذ به عند التعب.
في الحياة الزوجية،
لا يحتاج الحب إلى انتصار،
بل إلى قلبٍ يتراجع قليلًا…
ليحفظ كثيرًا.
وهكذا، أُغلق دفتر الزعل،
لا لأن الزعل انتهى،
بل لأن الحكمة
تعلّمت كيف تسبقه.

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف