آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 12:04 م

مقاربة تنظيمية لدعم إعلام مسؤول

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

يتضح اليوم أن الفضاء الإعلامي الرقمي أصبح ساحة حيوية للتفاعل بين الآراء المختلفة، لكنه في الوقت نفسه يشهد ارتفاعًا في خطاب عدائياً يستهدف فئات مجتمعية بعينها، لا سيما المرأة والأقليات. وهذا النوع من الخطاب لا يمكن وصفه بأنه مجرد «رأي» أو «نقد اجتماعي»، بل ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه خطاب كراهية مؤجِّجًا عندما يتضمن وصمًا، أو استهدافًا منظّمًا لفئات معيّنة، خصوصًا حين يُستغل لزيادة التفاعل والمتابعين.

إن التحوّل من اختلاف فكري مشروع إلى تحريض يستهدف فئة اجتماعية يحدث حين يتكرر الاستهداف، ويتحول إلى نمطية تستند إلى خصائص مرتبطة بهوية الفئة - مثل النوع الاجتماعي أو الانتماء الاجتماعي - ما يجعل الخطاب لا يخدم النقاش العام، بل يساهم في تكريس التحيزات والانقسامات. ويجب أن تعكس اللوائح التنظيمية هذا التمييز بوضوح، لتضمن أن الإعلام يبقى مساحة حيوية للنقاش والمسؤولية الاجتماعية.

المواد المقترحة ضمن لائحة المحتوى الإعلامي:

1 - تعريف خطاب الكراهية: يُقصد بخطاب الكراهية أي محتوى إعلامي يتضمن لغة أو سلوكًا يهاجم أو يحرّض على التمييز أو العداء أو التحقير بحق شخص أو مجموعة على أساس خصائص هوية ثابتة. هذا التعريف يستند إلى الفهم الدولي لمفهوم خطاب الكراهية الذي يعرّفه عدد من الأطر الدولية على أنه خطاب يمكن أن يؤدي إلى العنف أو التمييز إن لم يتم تنظيمه أو منعه.

2 - نطاق التطبيق: تُطبّق هذه المواد على جميع محتويات المنصات الإعلامية الرقمية والمحتوى المنشور عبر وسائل الإعلام المختلفة المشمولة بالتصاريح التنظيمية، بما في ذلك المحتوى الذي يستهدف فئات معيّنة، أو يستخدم لغة تحقيرية مكررة أو سردية نمطية سلبية ضدها.

3 - معايير التمييز بين حرية التعبير وخطاب الكراهية:

أ: قصد المحتوى: تُراعى نوايا الناشر ما إذا كان الخطاب يهدف إلى النقد البنّاء أو إلى الإساءة المنظمة.

ب: السياق العام: يُؤخذ في الاعتبار ما إذا كان يتم استخدام الاستفزاز أو السخرية المستهدفة كأداة لزيادة التفاعل بدلًا من نقاش موضوعي.

ج: التكرار والنمط: يُلاحَظ ما إذا كان المحتوى جزءًا من نمط متكرر يعزّز خطابًا يعمد إلى استهداف فئات بعينها.

د: الأثر المجتمعي: يُقيَّم ما إذا كان المحتوى يسهم في التضليل أو ترسيخ التمييز أو الكراهية في المجتمع.

4 - آليات الردّ التنظيمي:

1. تنبيه أولي: توجيه تنبيه للناشر عند وجود مؤشرات أولية على خطاب عدائي.

2. تعليق المحتوى: في حال تكرّرت المخالفات بشكل واضح أو أدى الخطاب إلى انتشار واسع.

3. الإحالة للمساءلة القانونية: عند الحالات التي تنطوي على تحريض صريح أو أثر ملموس على النسيج الاجتماعي.

أهمية التفريق التنظيمي: إن تبنّي تعريفات ومقاييس واضحة في اللوائح لا يعني تقييد حرية التعبير في حد ذاتها، بل يحميها ضمن إطار مسؤولية عامة تحمي الفرد والمجتمع.

إن اعتماد مثل هذه المواد التنظيمية المقنّنة داخل لوائح الإعلام الحديثة يمنح الهيئات التنظيمية أداة واضحة للتعامل مع الحالات الجدلية في المحتوى، ويعزّز قدرة الإعلام الوطني على أن يكون مساحة للنقاش البنّاء تعكس قيم المجتمع، وتحمي كرامة الأفراد والفئات.

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي