النوادر الياسرية «9» ويلٌ لكلّ عُتُلٍّ زَنيم

قلتُ له: ما تقول في فلان؟
فقال: «عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ» [1]
فقلتُ متعجّبًا: يا ساتر! بمَ آذاك حتى وصفته بالغِلظة كما في عُتُلّ، وبأنه زنيم أي دَعِيٌّ منسوبٌ لغير أبيه — أستغفر الله—؟
فقال: لا يا بُني… لا يذهب بحِلمك الشيطان، إنما كنتُ أتلو القرآن، ولقد كسبتُ ببركة سؤالك مائةً وثلاثين حسنة، فالآية ثلاثة عشر حرفًا، والحسنة بعشر أمثالها، انطلاقًا من حديث رسول الله ﷺ «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها» [2]
وأنت شريكي في الثواب لأنك مستمع. [3]
فقلتُ له: لله دَرُّك… كنتُ أظن أن بعض المحامين وحدهم يجيدون اصطياد الثغرات القانونية للتلاعب بالأحكام القضائية [4] ، فإذا بي أكتشف — ببركاتك — أن هناك من يُحسن أيضًا التلاعب بكتاب الله وأحاديث نبيّه!
وهكذا وجدنا أنفسنا بين منطوقٍ لم يُرَد، ومقصودٍ لم يُنطَق… بواقعية لا تخلو من طرافة.
لكن خلف هذه الطرافة سؤالٌ أكبر: كم من الأحكام بُنيت على كلمةٍ مجتزأة؟ وكم من الخصومات اشتعلت بسبب نصٍّ قُرئ بعينٍ واحدة؟
فاللغة — في جوهرها — كائنٌ حيّ، لا تُفهم إلا إذا وُضعت في بيئتها، وأُعيدت إلى سياقها، ونُظر إلى ما قبلها وما بعدها.
والنصوص الدينية خصوصًا لا تُؤخذ كقطعٍ متناثرة، بل كنسيجٍ واحد، تتساند فيه الآيات، وتتكامل فيه الأحاديث، ويُفهم بعضه ببعض.
لكننا — في زمن السرعة — نميل إلى القراءة الخاطفة، وإلى الأحكام الجاهزة، وإلى تحويل كل لفظٍ إلى سيفٍ مشرع، وكل آية إلى لافتة، وكل حديث إلى سلاح وهكذا يتحوّل القرآن من كتاب هداية إلى كتاب اقتباسات، وتتحوّل السنّة من منهج حياة إلى جُملٍ تُنتزع من مواضعها.
ولعلّ صاحبنا — من حيث لا يشعر — أعاد تذكيرنا بأن النص لا يخطئ، لكن القارئ قد يضلّ الطريق، وأن الكلمة الواحدة قد تكون نورًا إذا وُضعت في مكانها، وقد تكون فتنة إذا حُمّلت ما لا تحتمل.
ومن هنا نفهم أن التعامل مع النصوص يحتاج إلى وعيٍ لا يقلّ عن الإيمان بها، وإلى عقلٍ يزن قبل أن يحكم، وإلى قلبٍ لا يجعل من ظنونه معيارًا للحقائق، فالكلمة قد تهدي، وقد تضلّ، وما بين الهداية والضلال… مسافة لا تقطعها الحروف، بل يقطعها الفهم.
لذلك اقولها مدوية.. «فويلٌ للمصلّين» [5] إذا اقتطعوا النصوص من سياقها، وويلٌ لكل «عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ» إذا لوى أعناق الآيات ليُقيم بها حجّته، وحرّف مقاصدها ليُرضي بها شهوته، فذلك زنيم… لا في أصله، بل في أسلوبه وفصله.
















