التحرز بالورع
قيل ما قيل في الورع، الورع هو التقوى والكف عن المحارم والشبهات خوفًا من الوقوع في الحرام، وهو من أخلاق المسلم العالية التي تحفظ دينه، وتجعله يبتعد عن الشبهات ويتحرى الحلال، وله درجات تبدأ بترك المحرمات وصولًا إلى ترك كثير من المباحات للخواص، كالصديقين والأنبياء.
نبدأ موضوعنا بقصة معبّرة:
في أحد الأزمنة كان هناك رجل يمشي بين البساتين، ورأى غصنًا متدلٍ من شجرة خارج سور البستان، وغصنها مليء بالفاكهة، فطوّعت له نفسه مدّ يده وقطف ثمرة من الغصن المتدلي خارج السور.
رآه رجل من قريته وقال له: لقد ارتكبت ذنبًا في حق نفسك بأخذك الثمرة دون أن تستأذن صاحب البستان بذلك.
فرد عليه: وما عليّ أن أفعل؟
فقال له: عليك أن تبرئ ذمتك بالسؤال عن صاحب البستان وأن تسأله براءة ذمتك.
فراح يسأل حتى وصل لأصحاب البستان، وهم ثلاثة إخوة، فوجد منهم اثنين في نفس القرية، وأخذ منهما براءة الذمة، وبقي الأخ الثالث، حيث يسكن في مكان يبعد مسافة ثلاثة أيام سفر.
وما كان منه إلا أن يهمّ بسفره، حتى وجد الأخ الثالث لهم، فكان في ضيافته، وسأله عن تحمّله مشقة السفر.
أخبره بقصته، بأخذه ثمرة من بستانهم بدون أن يستأذن، ولقد أخذ براءة الذمة من أخويه الاثنين، وبقي هو.
فتعجّب الأخ الثالث من هذا الشخص، ومن خوفه من الله وورعه.
فقال له: لا أبرئ ذمتك إلا بشرط، فإن وافقت عليه، أبرأت ذمتك.
فقبل بالشرط، وهو أن يتزوج ابنة الأخ الثالث المريضة بمرض عضال.
فدخل عليها، ووجدها سليمة من أي مرض، فتعجّب من كلام والدها الذي أخبره بأنها مريضة.
في اليوم الثاني سأل والدها عن سبب قوله بأن ابنته مريضة بمرض عضال وليس له علاج.
فكان جوابه: من أين آتي بزوج لابنتي مثلك؟ قطعت كل هذه المسافة لتسألني عن براءة ذمتك في ثمرة؟
يا الله…
هناك من يقطف أرواح وأموالًا وخيرات وحقوقًا ليس لها أول ولا آخر، دون أن يرفّ لهم جفن، أو تدمع لهم عين.
















