آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 4:00 م

حين يسأل الطفل سؤالًا أكبر من عمره

هاشم الصاخن *

حين يفاجئك الطفل بسؤال غير متوقع، يتوقف الزمن للحظة.

ليس لأن السؤال في ذاته صادم؛ بل لأنَّك لم تكن مستعدًا له، ولم يخطر في بالك أن يأتي في هذا التوقيت تحديدًا. يتبادر إلى ذهنك تساؤل صامت: من أين جاء هذا السؤال؟ ولماذا الآن؟ ثمَّ يبدأ الصراع الداخلي الحقيقي؛ هل تجيب أم تصمت؟ هل تقول الحقيقة كما هي، أم تختار إجابة تراها أسهل وأخف وطأة، ظنًّا منك أنها أقل إرباكًا له؟

في مثل هذه اللحظات، لا يختبر الطفل والديه بسؤاله فقط؛ بل يضعهما أمام اختبار أعمق: اختبار الصدق، والحكمة، والقدرة على احتواء ما لم يكن في الحسبان.

وهنا لا بد من التمييز بين طبيعة الأسئلة التي يطرحها الأطفال. فنحن لا نتحدث عن الأسئلة العابرة التي يطرحها الأطفال بطبيعتهم، تلك التي تمر وتُنسى؛ وإنَّما عن الأسئلة العميقة التي تتجاوز عمر الطفل العقلي والعمري، وتضع الأب أو الأم أمام مساحة غير مريحة للتفكير. أسئلة لا تأتي بدافع العبث؛ بل بدافع الفضول، أو التأثر، أو محاولة الفهم.

فمعظم الأطفال يمرون بمواقف تثير لديهم التساؤل، وهذا أمر طبيعي. وقد يكون السؤال بسيطا في ظاهره، كاستفسار الطفل عن كيفية مجيئه إلى هذه الدنيا، أو فكرة التقطها من حديث عابر، أو ممَّا شاهده في وسائل التواصل الاجتماعي، أو ممَّا سمعه من محيطه القريب. وأحيانا لا تقف هذه الأسئلة عند حدود الحياة اليومية، وتمتد إلى تساؤلات أعمق، تتعلق بذات الله عزَّ وجلَّ، وبالسموات والأرض، وبالخلق، والوجود.

وقد تتجه بعض هذه التساؤلات إلى ملاحظة الاختلاف بين الرجل والمرأة «وهو يقصد الأعضاء التناسليَّة بينهما»، فيسأل الطفل عنها ببراءة، مدفوعًا بمحاولة الفهم لا أكثر، دون إدراك لطبيعة هذه الأسئلة ولا لحساسيتها في هذا العمر.

وقبل الخوض في سؤال: هل يجيب الأبوان أم لا؟ يصبح من الضروري التوقف عند نقطة أكثر أهميَّة، وهي فهم مصدر هذه الأسئلة. فما الذي دفع الطفل لطرحها؟ هل جاء السؤال فجأة أم نتيجة تراكم أفكار؟ هل هو مرتبط بموقف معين، أم بتجربة عاشها؟ أم يكن تجاوزًا وصلت إليه دون تمهيد؟ ففهم السؤال، في كثير من الأحيان، لا يقل أهميَّة عن الإجابة نفسها، ويشكل المدخل الأصح للتعامل معه بهدوء واتزان.

من هنا، يبرز دور الأبوين في منح الطفل الشعور بالأمان. فسواء أُجيب عن السؤال، أو تمَّ تأجيل الإجابة، أو حتى رُفض بأسلوب هادئ ومدروس، يبقى الأهم أن يشعر الطفل أن سؤاله لم يكن خطأ، وأن تفكيره لم يكن تجاوزا للحدود. فالإحساس بالأمان لا يقتصر أثره على هذا السؤال فقط؛ بل ينعكس على الأسئلة القادمة، ويحدد شكل العلاقة الحوارية بين الطفل ووالديه في المستقبل.

والأمان هنا يعني الوضوح. وأن يعرف الطفل أن له الحق في السؤال أينما كان، لكن أن يتعلم أيضا أن للسؤال مكانه الطبيعي، وهو البيت، وأن والديه هما الجهة الأولى التي ينبغي أن يُوجَّه إليها، لا الأصدقاء، ولا الإنترنت، ولا مصادر أخرى قد لا تراعي عمره أو وعيه.

وعندما نصل إلى السؤال المحير، إن كان محيرًا بالفعل، يكون دور الأب أو الأم في البحث عن إجابة تتناسب مع عمر الطفل وعمق تفكيره. فالإجابات لا تتساوى عند الجميع، ولا حتَّى بين شقيقين يعيشان في البيت نفسه. فلكل طفل مستوى فهم مختلف، وقدرة مختلفة على الاستيعاب، وما يصلح لأحدهما قد لا يصلح للآخر في التوقيت نفسه.

وهنا نصل إلى الأثر الحقيقي لأسلوب تعاملنا مع هذه الأسئلة.

الأثر الإيجابي والسلبي

وحين يُقابل سؤال الطفل بالهدوء والاحتواء، يشعر أن بيته مساحة آمنة للتفكير، لا مكانا للمحاسبة أو التخويف. وهذا الأسلوب يعزز ثقته بنفسه وبوالديه، ويشجعه على السؤال من دون خوف، ويعلّمه أن البحث عن الفهم أمر طبيعي، ما دام ضمن حدوده الصحيحة. كما أن الإجابة المتدرجة، المناسبة لعمره، تساعده على تكوين تصور متوازن عن العالم من حوله، وتغنيه عن البحث العشوائي في فضاءات مفتوحة قد لا تميز بين ما يناسب عمره وما يتجاوزه.

في المقابل، حين يُقابل السؤال بالتجاهل، أو الرفض غير المفسر، أو التخويف، يتعلَّم الطفل أن الصمت آمن من السؤال. وقد لا يتوقف عن التفكير، لكنه يتوقف عن طرح تساؤلاته في المكان الصحيح. ومع تكرار هذا الأسلوب، تتكون لديه قناعة بأن بعض الأسئلة غير مرحب بها، فيلجأ إمَّا إلى كبتها، أو إلى البحث عن إجابات خارج إطار الأسرة، في مصادر لا تحميه ولا توجهه.

ويبقى السؤال الجوهري: هل للطفل حرية السؤال مطلقًا، أم أن للأسئلة حدودًا؟

والحقيقة أنَّ للطفل الحق في السؤال أينما كان، لكن هذا الحق لا ينفصل عن التوجيه. فالسؤال في ذاته ليس خطرًا؛ بل يصبح كذلك حين يُترك بلا إطار، أو حين يُقابل بالمنع المطلق أو الإهمال.

من حق الطفل أن يسأل، ومن واجبه أن يتعلم أن يسأل في الحدود التي تناسب عمره، وأن يوجه سؤاله إلى أبويه أوَّلًا؛ لأنهما الأقدر على تقديم الإجابة بميزان يراعي التوقيت، واللغة، وعمق الفهم. فليس كل سؤال يُجاب عنه بالطريقة نفسها، ولا في العمر نفسه، وهناك أسئلة تحتاج إلى تبسيط، وأخرى إلى تأجيل، لا تهربًا؛ بل حماية لعقل الطفل من أن يُحمَّل ما لا يحتمل.

ومع اتساع فضاء الإنترنت، لم تعد أسئلة الأطفال انعكاسا لفضولهم الفطري فقط؛ وإنَّما نتيجة لما يشاهدونه ويسمعونه دون قصد. وهذا الواقع يجعل تجاهل أسئلتهم خطرًا أكبر من الإجابة عنها؛ لأنَّ الطفل إن لم يجد الإجابة عند أبويه، سيبحث عنها في مكان آخر، غالبا دون توجيه أو ضبط.

ويبقى التخوف المشروع لدى كثير من الآباء: هل سيقود السماح بالسؤال إلى كثرة الأسئلة، وربما إلى تساؤلات غير واقعية أو محظورة في المستقبل؟

والإجابة أن الخطر لا يكمن في السؤال نفسه؛ بل في غياب الإطار الذي يُحتوى فيه. فالطفل الذي يتعلم أن سؤاله مسموع، ومُوَجَّه، ومُقَيَّد بما يناسب عمره، يكبر وهو أكثر توازنًا. أما الطفل الذي يُخاف من سؤاله، فقد يكبر وهو يسأل… لكن في المكان الخطأ، وبالطريقة الخطأ، ودون بوصلة ترشده.

لهذا، ليست مهمتنا أن نغلق باب الأسئلة، ولا أن نفتحه بلا ضوابط؛ بل أن نعلّم أبناءنا كيف يسألون، ومتى يسألون، ولمن يوجهون السؤال. فالأبوة والأمومة لا تعني امتلاك كل الإجابات، بقدر ما تعني القدرة على مرافقة السؤال، حتى يكبر الطفل وهو يعرف أن السؤال حق، وأن الفهم رحلة، وأن البيت كان دائما أول مكان آمن للبحث.

سيهات