آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 1:17 م

من عبق الماضي: أصوات الأهازيج ”فرح البيوت القديمة“

حسن محمد آل ناصر *

في زمن مضى، وقبل تلك المبهرجات وصخب القاعات، وحتى قبل أيام الخيام الكبيرة وحداثة التفاصيل، كان الفرح يبدأ من عتبة البيت ويُعلن بصوت النساء لا بأجهزة الصوت. كانت الدار هي الموقع الذي يطل منه ذاك العبير الجميل. كانت ليلة الحناء هي البشارة الأولى للعرس، أجل، كان طقسًا اجتماعيًا تتشارك فيه النسوة، وتُحاك تفاصيله بالعاطفة والبساطة، ليبقى أثره راسخًا في الذاكرة.

تحضر الحناء بعناية، تنقع بالماء والشاي ليغمق لونها، ويُعجن الطحين بالماء والزيت ليصبح عجينًا يُستخدم في النقش. يُفرش الإناء الكبير ”الطش أو الصحفة“ في الوسط، وتجلس العروس على كرسيها، وتحف بها الأمهات والعمات والخالات والجارات والأقارب والصديقات، ومع أول لمسة حناء ترتفع الأصوات بأهازيج قصيرة تتكرر بإيقاع خفيف، تكسر الخجل وتعلن الفرح، ويرددن بقولهن:

حناش عجين يا فلانه… حناش عجين.. لا زفوش على رجلش لا تستحين

فتتعالى الزغاريد، ويبدأ المشهد الذي طالما ارتبط بذاكرة ”عبق الماضي وأيام الجيل الجميل“. ولم تكن الأهازيج طويلة ولا متكلفة، لكنها كانت تحمل المعنى والبركة؛ كلمات تصف العروس وتشبهها بالقمر والورد، وتدعو لها بالخير والسعادة، وأحيانًا مقاطع قصيرة مثل: يا خلق سمو عليها… لايق الحنا بديها. فتتحول الجلسة إلى مساحة فرح خالص، يتناقل فيها الصوت كما تتناقل الابتسامة والفرحة.

كانت أيام العروس في الماضي ثلاثة أيام، تبدأ بعد صلاة المغرب من يوم الاثنين حتى يوم الأربعاء، ويتكرر فيها النقش والحناء والطريقة نفسها والفرحة ذاتها. وتوزع على الحاضرات أكواب ”كاسات صغيرة“ مملوءة بالحناء والعجين، ويشارك الأطفال بنقش بسيط في الكف، وغالبًا دائرة تُعرف ”البطة“، وتترك حتى تجف كمشاركة رمزية في الفرح. تُختَم الجلسة بأهزوجة تحمل الإعجاب والدعاء: عروسة مكملة حلوة معانيها… والليلة بالفرح يينا نهنيها… حناش مثل القمر يزهو بلياليها… تسلم يمين اللي تحنّيها… غنّوا للحلوة وباركوا عليها… تستاهل لو كل النسوان تهنيها..

بعد الانتهاء تُلف أرجل العروس بالقماش حماية للملابس، وتبدأ لحظة محببة تتسابق الفتيات على ما تبقى من الحناء في الوعاء، بينما تحمل بعض النسوة بقايا العجين والحناء لأطفالهن تبركًا. وغالبًا ما تختتم الجلسة بدعاء أو أهزوجة قصيرة تفيض إعجابًا وتمنيًا بقولهن: والخلايق حافينها.. مثل وردة يا حسنها.. والعطر يفوح منها.. وردة مفتحة بغصنها.. باركوا ليها بعرسها..

وقبل العرس بأيام تُعلّق في أركان وأرجاء البيت زينة بسيطة في الزوايا وعلى المراوح، وتُجهز الصالة وإعداد المكان لجلوس العروس، وكل شيء متواضع، لكنه نابض بالمشاركة، تسوده الفرحة الجماعية.

ثم تأتي الجلوات عصر الخميس، حيث تزين العروس في ساحة السطح وسط ضحكات النساء وتبادل الحكايات، وبعدها تحل ليلة الزفة، وهذه الليلة هي ذروة الحكاية، حيث تعود العروس بعد تزيينها في ساعة مبكرة، تزف بالرياحين والعطر والبخور، وتسير بين أمها وقريباتها، وتجلس قليلًا لتلقى التهاني، ثم تُنشَد أهازيج الزفة الأولى، وهي ما تزال على الكرسي، تحف بها القريبات والصديقات: يا زفّة العذرا يا محلاها… ويلوق بالكفين حنّاها… يا محلاها من على الكرسي… كل الحبايب واقفة حداها… شال الزري لايق على رأسها… من فوها ليحدر غطاها.

وكانت ”الكوشة“ خلفية من السعف وتعليق قطع ”مشمر“ بسيط، وصور تختصر جمال تلك الفترة وتلك الأيام الجميلة. ولا يتأخر الوقت قبل منتصف الليل، تزف إلى زوجها، ويقام الطعام غذاءً وعشاءً في يوم يعد عيدًا للبلد والفريق والبيت وأهل الدار جميعًا. أجل، هكذا كان الزواج في الماضي، فرح يقال ويغنى ويدعى له، ولا يكلف كثيرًا، لكنه يترك أثرًا عميقًا بصدق وتركيبة تراثية بسيطة.