آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 4:00 م

النميمة والغيبة

فاضل أحمد هلال

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [الحجرات: 12].

النميمة هي نقل الكلام بقصد الإفساد بين الناس، فنقول هذا الشخص نمّام يحاول الإيقاع بين فلان وفلان، بينما الغيبة هي ذكر الشخص في غيابه بما يكره، سواء كان صدقًا أم بهتانًا. «حشّ ونقل كلام»، والفرق الأساسي بينهما هو النية. وكلاهما من كبائر الذنوب التي حرّمها الله عز وجل ونهى عنها في القرآن الكريم.

فكم من البيوت انهدمت، وكم من العوائل تشتت بسبب كلمة قيلت ونُقلت، ونحن لا ندرك خطورتها وتأثيرها السلبي التي تؤثر في العلاقات الاجتماعية في المجتمع العائلي وغير العائلي. فالقيل والقال ونقل الكلام الممزوج بالبهارات المطعمة ببعض الأكاذيب قد تفكك مجتمعًا بأكمله. فللكلمة معنى، وللكلمة هدف، ومع الأسف فإن بعض ضعفاء النفوس يرمون الكلمات فيصيبون بها عقول الضعفاء المتطفلين الذين عندهم شغف وعشق في نقل الكلام بين الناس، فيصيبون بها أهدافًا يبتغونها وغايات يتمنونها لبثّ البغضاء والكراهية بينهم. نقلٌ غير موثوق من حيث الصحة والمصداقية غايته تفكيك روابط المجتمع وتفتيته.

إن الغيبة والنميمة من أخطر الصفات والعادات السيئة عند الإنسان في المجتمع، وخاصة إذا ما تحولت هاتان الصفتان من زلة لسان عابرة إلى عادة قبيحة تعود اللسان عليها، فأصبحت تجري كالدم في الشريان وتُتداوَل في جميع الأوقات.

فالبشر بطبعهم كثيرو الكلام، ولسانهم منطلق، يتداولون الحديث والأخبار الحسنة والسيئة فيما بينهم، وهنا فرق بين نقل الخبر وبين الغيبة؛ فالخبر ينقل حدثًا قد يكون صحيحًا وقد يكون خاطئًا، مما يستوجب منا التأكد من موثوقيته وصحته قبل نشره، شرط ألا يكون فيه إساءة لشخص ما من الناس، فيتحول هذا الخبر بقصد أو بغير قصد إلى غيبة تفضح مساوئ فلان وفلان، أو نتكلم عن أمور قد يتضايق منها البعض ولا يحبون إظهارها للآخرين.

تعتبر العلاقات الاجتماعية والتعارف بين الناس وحضور المجالس والديوانيات والزيارات من الأمور الحسنة والمهمة التي تثقف وتُنفّه عن النفس وتكسر حواجز الروتين اليومي للإنسان، لا سيما إذا كانت في مجالس ثقافية أو دينية أو تجمعات عائلية ترفيهية أو اجتماعية بهدف التواصل والترابط وتقوية أواصر العلاقة والمحبة بين الناس، ولكن حينما تكون أهداف التجمعات في المجالس والديوانيات للتسلية وللغيبة والنميمة ونقل الكلام عن فلان وفلان وذم فلان وفلان، فهي مجالس مذمومة وغير مرحب بها.

لقد تطورت الحياة وتغيرت المجتمعات وعاداتها وتقاليدها، وأصبحت المجتمعات متشابهة الطباع؛ فمجتمع الرجال لا يختلف عن مجتمع النساء، على الرغم من أن طبيعة مجتمع النساء مختلفة من حيث التفكير ومن حيث التجمعات والمناسبات وغيرها، ونحن نعلم بأن نقل الكلام عند النساء كالدم يمشي في الوريد، وهذه مصيبة كبيرة لأنها أصبحت عندهم عادة؛ فقد لا تسمح معظم النساء بذكرها بما تكره أو بنقل كلام يسيء إليها وإن كان تافهًا أو صادقًا وصحيحًا. فعلى سبيل المثال، نحن نرى في مناسبات الأفراح حين تتجمع النساء على طاولة واحدة فإنها لا تخلو من الحش والغيبة في الحضور، وبالأخص الأقارب.

مثال: «يوووه شفتي فلانة لابسة نفس الفستان قبل شهر في حفلة أخوها، غربلش الله خلي عنش الحش ترى حتى جزمتها ما غيرتها، لالالا مو طبيعية هذه شوفي مكياجها مرة تضحك كأنها مُهَرِّج».

مع الأسف نحن نعود ألسنتنا على أمر جدًّا سيئ، وله عواقب وأضرار وخيمة على المجتمع، وقد نخسر الكثير من علاقاتنا الاجتماعية أو العائلية بسبب ذكر الآخرين بسوء والإساءة إليهم.

في الختام:

«لسانك حصانك إن صنته صانك وإن خنته خانك».

لا تعود لسانك على الاستغابة فتأثم، وعوِّده على الاستغفار وذكر الله عز وجل فتؤجر؛ فقد يتصرف بعض الناس تصرفات غير مقصودة في أوقات غير مناسبة، ونحن لا نعلم عن غاياتهم ونياتهم في قلوبهم، ولكننا نحكم على الظاهر منها بما يفهمه عقلنا الباطني ونستوحيه منهم بفهمنا البسيط، ولا نعلم حقيقته وصحته، فنتداوله وننقله للآخرين بفهمنا الخاطئ، فنسبب به ألمًا وجراحات للآخرين.

احمل أخاك المؤمن على سبعين محمل.