آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 11:02 ص

المشهد الثقافي لتراث الأحساء الحضاري

قراءة صحفية في كتاب الدكتور فهد بن علي الحسين

زكي الجوهر *

في زمن تتسابق فيه الأمم لإعادة قراءة ذاكرتها الثقافية وصياغتها بلغة العلم والمعرفة، يطل كتاب «المشهد الثقافي لتراث الأحساء الحضاري منذ الألفية السادسة حتى الألفية الأولى قبل الميلاد» للدكتور فهد بن علي الحسين، بوصفه عملاً توثيقياً رصيناً، يعيد الاعتبار لواحة الأحساء كإحدى أقدم الحواضن الحضارية في الجزيرة العربية. لا يكتفي الكتاب بسرد تاريخي تقليدي، بل يذهب أبعد من ذلك، ليقدّم قراءة علمية متكاملة للمشهد الثقافي الذي تشكّل عبر آلاف السنين، وأسهم في بناء هوية ثقافية عربية ضاربة في الجذور.

الكتاب… مشروع علمي لسد فراغ ثقافي

يتناول الكتاب بالدراسة والتحليل المشاهد الثقافية لتراث واحة الأحساء ومعالمها الحضارية خلال فترة زمنية تمتد من الألفية السادسة حتى الألفية الأولى قبل الميلاد، وهي مرحلة مفصلية شهدت تشكّل أنماط الاستقرار البشري الأولى وتفاعل الإنسان مع بيئته الطبيعية. ويؤكد المؤلف أن ثقافة الأحساء، عبر هذه الحقب، ظلت عربية في جوهرها، حافظت على سماتها الثقافية المستقلة، رغم تفاعلها المبكر مع حضارات عريقة وعمليات تثاقف خارجية، أسهمت في إثرائها دون أن تمحو خصوصيتها.

وتبرز أهمية الكتاب كونه أول عمل علمي شامل يعرض المعالم الطبيعية والكنوز الأثرية لواحة الأحساء، ويقدّم تفسيراً علمياً لمضامينها الثقافية وفق مناهج بحث حديثة. فقد واجه الباحث إشكالية حقيقية تمثلت في تشتت المواد الأثرية المكتشفة، وندرة ما نُشر عنها، إضافة إلى أن معظم الدراسات السابقة كُتبت بلغات أجنبية أو وردت في تقارير غير متاحة للباحثين، ما خلق فراغاً معرفياً سمح بتداول معلومات تخمينية قُدّمت بوصفها حقائق علمية. ومن هنا جاء هدف الكتاب في جمع وتوثيق هذه المعالم وإعادة دراستها ضمن سياقها الثقافي الصحيح.

منهج علمي ورؤية ثقافية

اعتمد المؤلف المنهج الإثنوأركيولوجي القائم على الوصف والتحليل، لدراسة المشاهد الثقافية في إطارها الإيكولوجي العام، مستنداً إلى عمل مكتبي مكثف شمل مراسلة مراكز أبحاث عالمية، واقتناء دراسات أثرية نادرة، إضافة إلى الاطلاع على تقارير غير منشورة. كما أجرى دراسات ميدانية لمعاينة التراث الطبيعي، وعاين القطع الأثرية المحفوظة في المتحف الوطني بالرياض، ومتحف الدمام الإقليمي، ومتحف الأحساء للآثار والتراث الشعبي. وقد أتاح هذا التكامل بين العمل المكتبي والميداني تقديم تفسيرات علمية متماسكة، أعادت ترتيب الصورة الكلية للمشهد الثقافي الأحسائي.

ثمانية مشاهد ثقافية… سرد حضاري متكامل

قُسّم الكتاب إلى ثمانية مشاهد ثقافية رئيسة، يندرج تحت كل منها عدد من المعالم والمواد الأثرية، في بناء منهجي متماسك يساعد القارئ على تتبع تطور المشهد الحضاري عبر الزمن. وزُوّد الكتاب بصور ورسومات نادرة، جاءت منسجمة مع النقاش العلمي، وأسهمت في تبسيط المعلومات وجعلها أكثر قرباً للقارئ، دون الإخلال بعمقها الأكاديمي.

الأحساء والهوية الثقافية السعودية

يطرح الكتاب قضايا جوهرية تتصل بدراسة الأصول الثقافية لتراث واحة الأحساء، ويقترح مداخل جديدة لفهمها وفق سياقها الثقافي، في مسعى لإبراز المكون الثقافي السعودي في تنوعه وثرائه، وتعزيز الهوية الوطنية وتماسكها الاجتماعي. ولعل أبرز ما يميّز هذا الطرح تأكيده أن تراث الأحساء هو نتاج ثقافة عربية خالصة، تفاعلت مع محيطها الحضاري دون أن تفقد ذاتها، وهو ما منح الأحساء هويتها الثقافية الخاصة.

آفاق مستقبلية للبحث الأثري

لا يخفي المؤلف قناعته بأن المشهد الثقافي لتراث الأحساء لا يزال بكراً، خاصة مع توقف الأعمال الأثرية منذ سبعينات القرن الميلادي، واقتصارها على مواسم محدودة. ويعلّق آمالاً كبيرة على المرحلة القادمة، في ظل استشراف إنشاء جمعية لآثار وتراث المنطقة الشرقية، وإطلاق مركز للدراسات التاريخية، بما يساند جهود هيئة التراث في التنقيب والتوثيق، ويفتح آفاقاً جديدة للبحث العلمي.

يختتم الدكتور فهد بن علي الحسين كتابه بإحساس واضح بالرضا العلمي، بعد أن نجح إلى حد كبير في تحقيق الأهداف التي رسمها لهذا العمل، رغم تشعب موضوعه وتعقيده. ويأمل أن يضع الكتاب تصوراً واضحاً للتراث الثقافي لواحة الأحساء، بوصفه جزءاً أصيلاً من تراث المملكة العربية السعودية، بما تحمله من مكانة حضارية تستحق الفخر والاعتزاز. وهو أمل يبدو مشروعاً، في ظل كتاب يُعد إضافة نوعية للمكتبة السعودية، وجسراً معرفياً يربط الماضي السحيق بالحاضر الواعي بقيمة تراثه.