آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 4:00 م

قضي الأمر

محمد يوسف آل مال الله *

لمّا قُضي الأمر… حين يصبح الوعي متأخرًا

في القرآن الكريم، تمرّ بعض العبارات مرورًا سريعًا على القارئ، لكنّها تحمل في عمقها ثِقَل التجربة الإنسانية كلّها. ومن هذه العبارات قول الله تعالى: ﴿لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ .

هي جملة قصيرة، لكنّها تختصر مسارًا طويلًا من الاختيارات، والتردد، والتجاهل، ثم النهاية التي لا رجعة بعدها.

من منظور تطويري، تمثّل هذه العبارة لحظة الحقيقة؛ اللحظة التي تتوقف فيها الأعذار، ويُسدل الستار على مرحلة كان يمكن فيها التغيير. فحين يُقضى الأمر، لا يعود السؤال: ماذا كان يجب أن أفعل؟ بل يصبح: كيف أتعامل مع النتيجة؟

في حياتنا اليومية، نعيش عشرات المواقف التي لا ننتبه لخطورتها إلّا بعد فوات الأوان. نؤجّل قرارًا مصيريًا، نهمل عادة صحيّة، نتهاون في علاقة، أو نُسكت صوت الضمير بحجّة ”ما زال الوقت مبكرًا“. لكنّ الزمن لا ينتظر أحدًا، وكل تأجيل صغير هو خطوة صامتة نحو لحظة ”قُضي الأمر“.

الآية لا تُقال للتخويف، بل لإعادة ترتيب الأولويات.

هي رسالة وعي تقول: لا تنتظر النتائج لتفهم، ولا تنتظر الخسارة لتقدّر، ولا تنتظر النهاية لتبدأ.

في علم تطوير الذات، يُقال إنّ الإنسان لا يتغيّر عند الألم، بل عند وضوح الرؤية.

والقرآن هنا يقدّم أوضح رؤية ممكنة:

الاختيار له وقت، والنتائج لها وقت، ومن يخلط بينهما يدفع الثمن.

الجزع بعد القرار لا يلغيه، والصبر المتأخر لا يعكس المسار، لكنّ التعلّم هو المكسب الوحيد الممكن بعد أن يُقضى الأمر. وهنا يظهر الفرق بين مَنْ ينهار عند النهاية، ومَنْ يحوّلها إلى نقطة انطلاق جديدة.

التطوير الحقيقي أن تسأل نفسك اليوم:

ماذا لو قُضي الأمر غدًا؟

هل أنا راضٍ عن قراراتي؟ عن سلوكي؟ عن اتجاهي؟

فالنجاح، والطمأنينة، وحتى النجاة، لا تُصنع في لحظة الحساب، بل في الأيام العادية، الهادئة، التي نظن أنّها لا تحمل وزنًا كبيرًا.

وحتى صل إلى مبتغاك، عليك أن… لا تنتظر حتى يُقضى الأمر لتتحسّر، بل تحرّك الآن، وقرّر الآن، لأنّ أخطر لحظة في حياة الإنسان…

ليست لحظة الفشل…

بل لحظة إدراكه المتأخر أنه كان يستطيع أن يفعل شيئًا، ولم يفعل.